الرئيسية » » عطبرة.. سكك حديد السودان - تقرير قناة الجزيرة

عطبرة.. سكك حديد السودان - تقرير قناة الجزيرة

Written By Amged Osman Abdelatif Mohammed on الخميس، يونيو 23، 2016 | 4:19 م

الجزيرة

‫#‏تحت_المجهر‬ | فتحت الحلقة ملف خط سكك حديد ‫#‏السودان‬ وتدهور وضعه بعد أن كان سبيلا لترسيخ هوية سودانية موحدة تجمع الإرث التاريخي المشترك بالمصالح الاقتصادية المتبادلة


ارتبط تاريخ سكة حديد السودان باسم عطبرة التي كانت مدينة صغيرة جدا لكنها تطورت لاحقا حتى باتت تسمى بهبة ومدينة السكة الحديد، ويقول أحد المتحدثين لحلقة (22/6/2016) من برنامج "تحت المجهر" إن عطبرة صنعت مجتمعا انصهر بعضه مع بعض، وبات عائلة واحدة لا فرق بين أفرادها.

في أواخر القرن التاسع عشر كان في الصحراء عشر محطات للسكة الحديد، لم تعط أسماء، بل رقمت بأرقام عرفت شعبيا بـ"نمرة"، تبدأ برقم واحد وتنتهي بعشرة. وفي أوائل القرن العشرين تحولت سكك الحديد في السودان من غرض سياسي إلى اقتصادي، فأصبحت واحدة من أدوات الحكم والسيطرة، ثم امتدت شرقا حيث أنشئ عام 1903 ميناء بور السودان بديلا عن ميناء سواكن العثماني.

وفي عام 1906 بدأ إنشاء ميناء عطبرة بور السودان من محطة سلوم. ومع نهاية العشرينيات من القرن العشرين كانت بريطانيا قد ربطت أغلب أجزاء السودان بالخطوط الحديدية، من حلفا في أقصى الشمال إلى بورتسودان في أقصى الشرق، ومن مدينة الأبيض في الغرب الأوسط إلى شبكة وسط البلاد.

وفي عام 1909 بدأ إنشاء الخط من الخرطوم إلى سينار في وسط السودان، ثم جاءت فكرة إنشاء مشروع الجزيرة الذي اكتمل عام 1925.

وقد ساهمت سكة حديد السودان في اقتصاد البلاد، وفي تطوير طبقة عمالية وفنية أثرت في سيرورة المجتمع السياسية والاقتصادية، وفي خلق تواصل أقوى بين المجمعات المحلية المختلفة، إضافة إلى أنها خرّجت كفاءات أيضا.

ويقول متحدثون لحلقة "تحت المجهر" إن السكة الحديد في السودان كانت تنقل الجرائد والمحاضرات والكتب، وحتى المياه لمختلف المناطق، وساهمت في نقل الأفراد والسلع وتمدد الأسواق، كما كانت تعتبر حتى بداية الاستقلال أبا الخدمة المدنية في السودان.

كما أثرت سكة الحديد كثيرا في الحياة السياسية السودانية، وساهمت في تطوير أشكال النظام الحاكم باعتبارها النواة الأهم لتكوين حركة نقابية وعمالية قوية، كانت لها بصماتها في التاريخ السياسي للسودان على مستوى الدفاع عن حقوق العمال وأيضا النضال من أجل الديمقراطية، بل إنها أثرت الحياة الحزبية لما شكلته من رافد للأحزاب اليسارية وعلى رأسها الحزب الشيوعي.

تدهور
ورغم أن سكك الحديد ربطت بلدا بحجم السودان اقتصاديا واجتماعيا وسياسيا وثقافيا، فإنها عرفت منذ السبعينيات تدهورا يرجع أسبابه، بحسب الخبراء، إلى سوء الإدارة وسوء الصيانة وتفكيك المركزية الصارمة إلى خمسة أقاليم.

وقال أحد المتحدثين إن النظرة السودانية للمشروعات الكبيرة تفتقد إلى النظرة المستقبلية، بينما أشارت متحدثة أخرى إلى تدخل السياسة بطريقة سافرة في تصفية سكة الحديد كناقل وطني، وقالت إن ذلك كان أكبر جريمة ترتكب في تاريخ السودان.

وكانت أول ضربة لسكة الحديد -يؤكد أحد المتحدثين- في عهد الرئيس الراحل جعفر النميري من خلال إنشاء طريق بورسودان-الخرطوم، وقال إن النميري كان عنده موقف عدائي من سكة الحديد.

تجدر الإشارة إلى أن السودان كان ثاني بلد أفريقي من حيث المساحة، لكنه فقد ربع مساحته مع انفصال الجنوب، وكان يمكن أن تلعب سكة الحديد دورا سياسيا واقتصاديا لبلد اعتاد العرب أن يسموه بسلة غذاء العالم العربي.



كلمة المخرج:
لقد ساهمت السكة الحديد السودانية بشكل مباشر في خلق نسيج اجتماعي متفرد، ونقلت الناس والبضائع والمعارف والثقافات، ولقد كان لتلاقي الأفراد والجماعات عبر الترحال في ربوع السودان الأثرُ الكبير في التعرف على أساليب العيش والتقاليد، بما قرّب المسافات بين مواطن البلد الواحد الأكثر تنوعاً في أفريقيا والوطن العربي.

وكان إخراج العمل لصالح شبكة الجزيرة الإعلامية، بإشراف فريق "تحت المجهر"، فرصة ثمينة للفت النظر لتك المؤسسة الضخمة وأثرها العظيم في الحياة السودانية، فضلاً عن تاريخها الثري ومساهمتها في ضخ الكثير من المعارف في الحياة العامة أفرادا وجماعات.

إن تمدد خطوط سكة الحديد أنتج مجتمعاً جديداً، أفرز مدينة قائمة على الانضباط وثقافة العمل الجماعي الذي ساهم في قيام التنظيمات العمالية والنقابية التي كان لها أوضح الأثر في الحياة السياسية في مجموع السودان.

إن من أهم أهداف إخراج هذا العمل تقديم الحالات الإنسانية التي ساهمت في بناء وتسيير سكة الحديد وهي نسيج من العلاقات العملية والعاطفية والمدنية وما أفرزته، في ذلك الوقت، من حالة من الانفعال المجتمعي اللامحدود معرفياً وثقافياً واقتصادياً واجتماعياً.
كطفل لن أنسى مشهد القطار في المحطة مع تأهب أسرتي للركوب، وأنا صغير، وكيف أن الركاب داخل القطار كانوا يتحولون إلى أسرة واحدة حيث إنهم سريعاً ما يتعارفون رغم الاختلافات الواضحة بينهم لتصبح لهم حياة أخرى داخل القطار. القطار من جهة معمارية في حد ذاته كان ساحراً، وركابه ومديروه والباعة وغيرهم يشكلون مشهداً يصعب نسيانه.

إن التجوال في جهات السودان المختلفة، وتتبع خط السكة الحديد الذي ينظر إليه بوصفه خط حياة لغالبية أهل البلاد، في ظرف أشد صعوبة من حركة القطار ذاته في زمن سابق، يعد مغامرة مفيدة. فالمسافات بعيدة والمناخات مختلفة والوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي متغير، والقصص والحكايات عن القطار صارت من الماضي بعد أن توقفت أغلب الخطوط عن العمل.

ولعل تغير المناخ وتقلبات السياسة في السودان من أعقد المشاكل التي واجهت فريق العمل، فضلاً عن الانتظار لمدد طويلة على أمل تحرك إحدى القاطرات التي يمكنها أن تتوقف في أي وقت دون سابق إنذار.

ظللنا أشهرا نترصد القطار في محطات مختلفة حتى نتابع مسيره وقصته. نستقله أحياناً ركوباً  ونتابع قضبان السكة الحديد خالية أحياناً أخرى بحثا عن قصة تستحق أن تروى، وكثيرا ما لا نحصل على شيء غير خطوط سكة متقطعة أو متهالكة.

هوية سودانية
إن التنوع في طبيعة الأرض والإنسان وتفاعلهما أنتج مزيجاً ساهم كثيراً في خلق بُعدٍ بصري مختلف، وقصصاً وحكايات اختلفت من بيئة لأخرى بشكل ساهم في توليف متنوع للحكايات  والمشاهد.

لقد طاف فريق العمل خلال إنتاج حلقة "عطبرة.. سكك حديد السودان" كل المناطق السودانية التي يمر بها خط السكة الحديد تقريباً، وكان ذلك أمراً شديد الإثارة والتعقيد أحياناً وأكثر بساطة وجمالاً أحياناً أخرى، حيث إن لكل مكان خصائصه المختلفة التي تجعل منه حالة خاصة وكشفاً جديداً.

لقد كانت قاطرات السكة الحديد ناقلة للعلاقات الإنسانية التي لا تحدها حدود، وملتقى للكثير من المختلفين في السحنة واللهجة تجسيدا لهوية سودانية اتخذت بعداً آخر عبر التلاقي والتآلف والانصهار داخل تلك القاطرات.

ولأن السكة الحديد قربت المسافات كثيراً وجعلت التنقل بين الأرجاء ممكناً، فقد زادت فرص تلاقي الثقافات والمعارف في البلاد بشكل حوّلها إلى واحدة من وسائل تفعيل الوحدة الوطنية وترسيخها.

"السكة الحديد السودانية" كما نسميها في السودان واحدة من أيقونات الحياة في السودان، أنتجت مجتمعاً مختلفاً ومثقفاً ومترابطاً، كما أسهمت بفاعلية في دفع عجلة التنمية والاقتصاد، ويسرت انتقال الثقافات والمعارف إلى مناطق ما كان لها أن تصلها لولا السكة الحديد.

المخرج: زهير حسن أحمد
شارك هذا المقال :

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

 
Support : Creating Website | Johny Template | Mas Template
copyright © 2011. سوداكون - All Rights Reserved
Template Created by Creating Website
Proudly powered by Blogger