آخر المواضيع

التحكيم في منازعات عقود التشييد (1) د. م. م. مالك دنقلا

Written By Amged Osman on الثلاثاء، سبتمبر 27، 2022 | 6:07 ص

 التحكيم في منازعات عقود التشييد (1)

د. مهندس مستشار/ مالك علي محمد دنقلا



أصبحت المنازعات الهندسية ظاهرة متنامية على مستوى العالم؛ لعدم الإلمام التام بالأنظمة التي تحكم إجراءات تنفيذ عقود التشييد، وتنوع علاقات أطرافها وتعقدها وتداخل مسؤولياتهم ومهامهم، وعندما تنشب الخلافات غالباً ما يبدأ طرفا العقد بالتفاوض فيما بينهما للتوصل إلى حلول ودية، ولكن عند استحالة حل النزاع بينهما ودياً قد يضطر الطرف المتضرر لرفع دعوى لدى المحكمة المختصة للمطالبة بحقوقه، إلا أن تباعد مواعيد الجلسات بسب كثرة القضايا وطبيعة إجراءات التقاضي يؤدي أحياناً إلى تأخر الحكم فيها، وبالتالي تضرر أحد أطراف النزاع أو كليهما من ذلك التأخير.

ومع التوسع في حجم المشروعات المطروحة وضخامتها، وبروز أنماط جديدة من المخالفات والمطالبات والمنازعات، والحاجة المُلحة لإيجاد نهج أكثر فاعلية، وآلية سريعة لفض المنازعات؛ هروباً من الروتين، وتعقيدات المحاكم، وحتى لا تتعطل الأعمال أو المشروعات ويتوقف العمل مده طويلة يضار معها أصحاب المصلحة، بجانب إلحاق الضرر بحركة البناء والتنمية، وبالمصلحة العامة للمواطنين، لذا فإن معظم العقود النموذجية أصبحت تتضمن بنوداً واضحةً في كيفية حسم المنازعات والمطالبات بالوسائل البديلة.

وقد أوضحنا بالتفصيل في مقال سابق إحدى هذه الوسائل الهامة التي نص عليها عقد الفيديك، وهي (مجلس فض المنازعات)، وفي هذا المقال المتسلسل سنتناول وسيلة أخرى شديدة الأهمية، وهي (التحكيم)، والذي أضحى من أنسب الخيارات لحل المنازعات والمطالبات، بل أصبح في غالب الأحيان أمراً حتمياً لا مفر منه ووسيلة أساسية لحسم النزاعات، لما يتميز به من سرعة الفصل والوصول لأنسب الحلول أيضاً، فضلاً عن التخصص الدقيق الذي يعد ركيزة أساسية في التحكيم الهندسي لخصوصية هذه النزاعات.

كما يعد التحكيم المحطة الأخيرة التي يلجأ إليها أطراف العلاقة العقدية في عقود الفيديك لتسوية النزاع بينهما، ففي حال فشل مجلس فض المنازعات في تسوية النزاع، يكون لأحد الأطراف أو كليهما الحق في البدء في إجراءات التحكيم للفصل في المنازعة.

نشأة التحكيم:

ظهر التحكيم استجابة لمتطلبات التجارة الدولية لتحقيق العدالة السريعة الناجزة، وتقليل التكاليف على أطراف التحكيم، والحفاظ على العلاقات التجارية.

ونشأ التحكيم في العقود السحيقة، وهو سابق في نشأته على القضاء المنظم، الذي نشأ في ظل وجود الدولة بمعناها القانوني وسلطاتها التنفيذية والقضائية والتشريعية، فعلى الرغم من عدم وجود القضاء المنظم في المجتمعات القديمة، إلا أن شريعة الغاب لم تكن هي المسيطرة، بل كانت هناك عدة وسائل لفض المنازعات منها الوساطة والتوفيق والتحكيم، وكانت أحكام التحكيم التي تصدر من زعماء القبائل تتمتع بالاحترام والإلزام والنفاذ، وظلت تلك الوسائل قائمة على الرغم من قيام الدولة وإنشاء المحاكم في العصور الحديثة.

وأقر الإسلام التحكيم كوسيلة لحل الخلافات، كما أقرته السنة النبوية المطهرة كوسيلة لحل الخلافات، كما أقره الصحابة رضوان الله عليهم.

وعلي الصعيد الدولي تزايد الاهتمام بالتحكيم كوسيلة لفض المنازعات، فتم إبرام ميثاق التحكيم العام في سبتمبر عام 1928م، ومعاهدة نيويورك بشأن الاعتراف بأحكام التحكيم الأجنبية عام 1958م، وكذا المعاهدة الأوربية للتحكيم التجاري الدولي في جنيف عام 1961م، واتفاقية دول أمريكا اللاتينية (اتفاقية مونتفيدو) في عام 1961م، والتي تم العمل بها في عام 1965 م، واتفاقية تسوية منازعات الاستثمار في واشنطن في عام 1965م، واتفاقية البنك الدولي للاستثمار والتعمير في 18 مارس من عام 1965م، واتفاقية موسكو بشأن تسوية المنازعات بين الدول الاشتراكية بطريق التحكيم التي أبرمت في 29 مايو عام 1972م، كما تم إصدار القانون النموذجي للتحكيم التجاري الدولي من لجنة الأمم المتحدة في 21 يونية 1985 م ( قواعد اليونسترال )، كما تم سن قواعد خاصة للتحكيم التجاري بواسطة لجنة قانون التجارة الدولية التابعة للأمم المتحدة ( اليونسترال ) في عام 1976م.

تعريف التحكيم Arbitration:

هناك تعريفات عديدة للتحكيم:

التحكيم هو: «اتفاق طرفي النزاع على إحالة ما ينشأ بينهم من نزاعات بشأن تنفيذ عقد معين ليتم حله عن طريق هيئات متخصصة أو أفراد يتم اختيارهم بالاتفاق فيما بينهم».

أو هو: «اتفاق على طرح النزاع على شخص معين أو أشخاص معينين لتسويته خارج المحكمة المختصة».

أو هو: «شكل من أشكال تسوية المنازعات خارج المحاكم القضائية، ويتم الفصل في النزاع من قبل شخص واحد أو أكثر (المحكمون)، والتي تصدر (قرار التحكيم)، ويعتبر قرار التحكيم ملزمًا قانونًا لكلا الطرفين، وقابلاً للتنفيذ في المحاكم، ما لم تنص جميع الأطراف على أن عملية التحكيم والقرار غير ملزمين».

ويعرف التحكيم أيضاً على أنه: «مسار خاص استثناءً عن المسار العام لحل المنازعات )القضاءإذ يتيح إمكانية مباشرة الفصل في النزاعات بين الأفراد من قبل أفراد عاديين لا يعدون من الجسم القضائي للدولة، فالتحكيم هو عرض خلاف معين بين الأطراف المتحكمين على هيئة تحكيم تتكون من الأغيار، ويتم تعين أعضاء الهيئة التحكيم من قبل أطراف النزاع وذلك وفق شروط يحددونها لتفصل تلك الهيئة بذلك النزاع بقرار يفترض أن يكون بعيداً عن التحيز لأي من أطراف النزاع».

التحكيم والقضاء:

يتشابه التحكيم كثيراً كوسيلة مع القضاء، إلا أنه يعتبر آخر سبل فض النزاع التي تتسم بالطابع الاختياري، حيث هذه عملية تقوم فيها محكمة خاصة من اختيار الأطراف بتحديد النزاعات رسميًا، إذ إن لطرفي النزاع حرية اختيار القوانين واللوائح والإجراءات التي يتبعها المحكمون في الفصل في ما بينهما، بل وللطرفين حرية اختيار من يحكم بينهم كذلك.

مع ملاحظة أن التحكيم رغم أنه ملزم لطرفي النزاع حسب النظام، إلا أن التحكيم ليس بديلاً للقضاء، فالقضاء ليس له بديل، والقاضي ليس له بديل، ولكن التحكيم أحد الطرق البديلة التي يذهب إليها المتخاصمون لحل خلافاتهم خارج أروقة المحاكم، مثله مثل الصلح والوساطة وتقارير الخبرة الفنية وما شابه، وذلك لأسباب من أهمها السرعة.

والتحكيم بشكل عام أسرع من التقاضي، كما أنه أرخص لجميع الأطراف المعنية، علاوة على ذلك، فإن قراراته أسهل في التنفيذ؛ لذا يعد التحكيم من الحلول المتطورة للتعامل مع المنازعات، ويتميز بسرعة الفصل والمرونة وقلة التكلفة، فلم يعد اللجوء للقضاء هو الخيار الوحيد بسبب ما تتضمنه الإجراءات القضائية من إطالة لمدة النزاع، وهو ما يؤثر بالسلب على تنفيذ عقود الإنشاءات.

الوسائل الودية قبل التحكيم:

يتجلى من استعراض نماذج عقود الفيديك أن النزاع الذي ينظمه العقد هو النزاع الذي ينشأ بين صاحب العمل والمقاول، والذي ينشأ بسبب العقد المبرم بينهما، ويكون مرتبطاً أو ناشئاً عن تنفيذ الأعمال المتفق عليها في عقد الفيديك. ولم يترك الاتحاد الدولي للمهندسين الاستشاريين النزاع ينشأ دون أن يقنن له وسائل لتسويته، حيث تحددت وسائل تسوية المنازعات الناشئة عن عقد الفيديك، في وسيلتين: الأولى تتمثل في التسوية الودية للنزاع، أما الثانية -والتي تعد بمثابة الوسيلة الأخيرة التي يلجأ إليها الأطراف للفصل في النزاع فهي اللجوء إلى التحكيم.

وتتميز طرق التسوية الخاصة باللجوء اليها ابتداء أي قبل الدخول في التحكيم، حيث نجد أنها تتمثل أولاً بالتسوية عن طريق الوساطة، حيث يتم تسوية النزاع في هذه المرحلة من خلال وسيط يحاول تقريب وجهات النظر بين أطراف النزاع، ومن ميزاتها أيضاً تجسيد روح حل الخلاف قبل اللجوء إلى طرق التسوية شبه القضائية، ناهيك عن أنها من الطرق السريعة والبديلة قبل الخوض في إجراءات الوساطة والتحكيم.

وفيما يلي أهم هذه الوسائل الودية البديلة:

التفاوض المباشر: هو اتفاق الطرفين على تحديد فترة زمنية يلتزمان خلالها بالتفاوض لإيجاد حل للنزاع، بحيث لا يجوز اللجوء قبل انقضائها إلى وسائل أخرى لتسوية النزاع.

التوفيق والوساطة: هو اتفاق الطرفين على المثول أمام طرف ثالث يتم التوافق عليه بغرض تسوية النزاع وتقريب وجهات النظر وإيجاد حل وسط يرضي جميع الأطراف.

المحاكمات المصغرة: في هذه المحاكمات يتم إحالة النزاع إلى ممثلي الأطراف من الإدارة التنفيذية العليا بعد تقديم موجز للأطراف بتبادل المستندات والملاحظات، وهي وسيلة لحل النزاع سلميًّا وتحاكي القضاء، ولكن لا تتبع إجراءاته.

مجالس فض المطالبات والمنازعات: وقد تناولناه بالتفصيل في مقال سابق، وعامة تستخدم هذه الوسيلة في العقود الكبيرة لمشروعات الإنشاءات، ويتم تعيين المجلس في بداية المشروع، ويستمر خلال فترة تنفيذ المشروع لمواجهة المشاكل قبل تفاقمها ومحاولة حلها وديًّا.

المشاركة: تعد وسيلة لتجنب المنازعات أكثر منها وسيلة لحسم المنازعات، ويهدف هذا الأسلوب إلى تأسيس علاقات عمل بين كل الأطراف من خلال عمل ورش عمل مشركة للمساعدة في تحديد توقعاتهم فيما يتعلق بأهداف وأغراض المشروع، وتوقع المنازعات المحتملة ووسائل منعها قبل حدوثها.

يتضح مما سبق أن أسهل الطرق لحل النزاع هي الطرق الودية المختلفة لحل المنازعات، ولكن في بعض الأحيان تفشل هذه الطرق المختلفة لحل النزاع سواء لوجود تعارض قوى في المصالح أو وجود مصالح شخصية، أو تخوف من الأجهزة الرقابية لدى أحد أطراف النزاع يجعله يفضل اللجوء الى التحكيم، وعليه فإن أي نزاع لم يتم تسويته نهائياً على مستوى مجلس فض المنازعات، أو عن طريق الحل الودى، أو في حال عدم توصل وسيط لحل يرتضيه أطراف النزاع يتم اللجوء إلى الطريق الآخر من طرق التسوية والذي يتم بالتحكيم، حيث يتم عرض النزاع على هيئة التحكيم للتوصل إلى تسوية الخلاف، بموجب قوانين تحكيم غرفة التجارة الدولية . ICC

ورغم ما في ذلك من مشقة وتكاليف ووقت على طرفي النزاع، وقد يصبح معه الطرف الرابح خاسراً في حقيقة الأمر، فإن التحكيم يصبح الأسلوب الأمثل لحل النزاعات في عقود التشييد لطبيعتها الفنية، حيث يتم اختيار محكمين من المهندسين ذوي خبرة في موضوع النزاع.

شروط اختيار المحكم:

يتعين في اختيار المحكم في النزاعات الهندسية الثقة في حسن تقديره، وحسن عدالته، كما يجب أن يكون من المتخصصين أو الملمين إلماماً كافياً بموضوع النزاع، ويكون موضوع ثقة الخصم الذي يختاره، كما أن الخبرة الهندسية للمحكم تعين على التعرف الدقيق على أوجه النزاع والوصول إلى حكم يضمن لكل أطراف الخصومة حقه.

وعموما يجب أن تتوافر في المحكم المختار في النزاعات الهندسية ما يلي:

(1) أن يكون ملماً إلماماً كاملاً بالعقود الهندسية بجميع أنواعها، وبالتزامات أطراف التعاقد الواردة في هذه العقود سواء أكانت محلية أو دولية.

(2) أن يكون ملماً إلماماً كاملاً بعلم المطالبات في عقود التشييد والأوامر التغييرية.

(3) أن يكون ملماً بإدارة المشروعات الهندسية والبرامج الزمنية والتدفقات المالية.

(4) أن يكون ملماً إلماماً كاملاً بإجراءات التحكيم، والقوانين المختلفة التي تحدد التزامات أطراف التعاقد وهي القانون المدني، وقانون المناقصات والمزيدات، وقانون التحكيم.

(5) أن يكون ملماً إلماماً كاملاً بأصول القياس، وحساب الكميات، ودراسات الأسعار في عقود التشييد.

التحكيم كوسيلة لفض المنازعات في عقود الفيديك:

يقصد بالتحكيم في عقود الفيديك التحكيم الاختياري الذي يتفق فيه أطراف العقد على تسوية المنازعات التي ستنشأ أو نشأت بينهم -بسبب تنفيذ العقد أو تفسيره- عن طريق التحكيم، حيث يعد التحكيم المحطة الأخيرة التي يلجأ إليها أطراف العلاقة العقدية في عقود الفيديك لتسوية النزاع بينهم، ويندر أن نجد عقد دولياً لا يتضمن شرط التحكيم لتسوية المنازعات الناشئة عن العقد، فلو فشل مجلس فض المنازعات في تسوية النزاع، يكون لأحد الأطراف أو كليهما الحق في البدء في إجراءات التحكيم للفصل في المنازعة.

ويعد التحكيم أحد أهم آليات فض المنازعات في عقود الفيديك النمطية بمختلف أنواعها، حيث تضمنت نماذج عقود الفيديك أسلوباً متكاملاً وفريداً لتسوية المنازعات الناشئة عنها، فأعطت النماذج القديمة لعقود الفيديك للمهندس الاستشاري دوراً مزدوجاً مرةً كممثل لرب العمل، ومرةً أخرى كشـبه محكم في النزاعات الناشئة عن العقد المبرم بين رب العمل والمقاول (قبل إجراء تعديل على بنود الكتاب الأحمر أسندت بمقتضاه هذا الدور لمجلس فض المنازعات).

ونصت الشروط العامة لعقود الفيديك النمطية على التحكيم كطريق للطعن على قرارات مجلس فض المنازعات (DAB)، وهو المجلس الذي تناولنا مهامه وطبيعته ودوره في مقال سابق، ورأينا أن مجلس فض المنازعات (DAB) يختص بالنظر في الخلافات التي تثور بمناسبة تنفيذ العقود المدونة طبقاً لعقود الفيديك.

حيث ينص الفيديك على أنه يمكن الطعن على أحكام مجلس فض المنازعات عن طريق التحكيم، وفي هذه الحالة يتم نظره مرة أخرى أمام هيئة التحكيم.، وأعطت المادة (20/6) من الشروط العامة للكتاب الأحمر للفيديك لهيئة التحكيم الحق في مراجعة كافة المستندات والوثائق المنتجة في النزاع والشهادات الصادرة عن المهندس، وقرار مجلس فض المنازعات، وكذا أي مستندات أو وثائق يمكن أن تكون منتجة في حسم النزاع، كما يجوز لأي من طرفي النزاع تقديم البيانات والمستندات التي يرونها منتجة في النزاع.

وحظرت هذه المادة على أي من طرفي النزاع وضع قيود أو شروط مسبقة على سلطة هيئة التحكيم في نظر موضع النزاع أو إجراءاته، للوصول للقرار العادل والمنصف، فلهيئة التحكيم سلطة مطلقة في هذا الشأن، كما يجب على أطراف النزاع الاستمرار في تنفيذ التزاماتهم الناشئة عن العقد لحين صدور قرار التحكيم، حيث إن اللجوء للتحكيم ليس مبرراً للنكول عن الالتزامات الناشئة عن العقد، كما يجب أن يقوم قرار التحكيم على أسانيد قانونية تبرره.

وأحالت القواعد الصادرة عن اتحاد الفيديك في شأن قواعد التحكيم المتبعة لتسوية الخلاف بين المقاول وصاحب العمل، إلى قواعد التحكيم الصادرة عن غرفة التجارة الدولية، وذلك حال عدم اتفاق الأطراف على ما يخالف ذلك، ومن ثم يتبع في شأن إجراءات التحكيم كافة قواعد التحكيم المتبعة بغرفة التجارة الدولية.

تعيين المحكمين وردهم واستبدالهم:

ألزمت قواعد الفيديك بأن تشكل محكمة التحكيم من ثلاثة محكمين، ووفقاً لقواعد غرفة التجارة الدولية، يقوم كل طرف بتعيين محكماً واحداً، وتقوم هيئة التحكيم الدولية التابعة لغرفة التجارة الدولية بتعيين المحكم الثالث، والذي يرأس محكمة التحكيم، ويتعين أن يرأس محكمة التحكيم المحكم المعين من قبل الهيئة، على أن تكون جنسيته مختلفة عن جنسيات الأطراف، ولكن يجوز -في حال عدم اعتراض أحد الأطراف- أن يتم اختيار رئيس المحكمة من بلد ينتمي إليه أحد الأطراف.

ويحق لأي طرف خلال 30 يوماً من تاريخ تسلمه الإخطار بتعيين المحكم أن يطلب رده استناداً لادعاء انتفاء الاستقلال أو عدم الحيادية أو لأي سبب آخر، ويلزم أن يشتمل طلب الرد على الوقائع أو الظروف التي يُستند إليها في طالب الرد، وتصدر الهيئة قرارها في هذا الشأن سواء من حيث قبوله شكلاً وموضوعاً، وإذا حدث ما يحول دون قيام أحد المحكمين بمهامه، كأن يتوفى أو يقدم استقالته أو الموافقة على طلب رده، أو أجمع الأطراف على استبداله فهنا يتم استبدال المحكم بآخر.

شروط إحالة النزاع إلى التحكيم:

يلزم أن تمر تسوية النزاع في عقود الفيديك بعدد من المراحل قبل اللجوء للتحكيم، وقد وضع الاتحاد الدولي للمهندسين الاستشاريين شروطاً يلزم توافرها قبل لجوء أي من طرفي النزاع للتحكيم للفصل في المنازعة وهي:

(1) إحالة النزاع ابتداءً لمجلس فصل المنازعات لإصدار قرار بتسوية المنازعة، متى كان المجلس موجوداً.

(2) إخطار أحد الطرفين الطرف الآخر باعتراضه على قرار مجلس فض المنازعات، خلال مدة لا تجاوز 28 يوماً من تاريخ تسلمه القرار، وذلك حال صدور قرار من المجلس، أما إذا لم يصدر ثمة قرار من المجلس، فيلزم أن يعلن أحد الأطراف الطرف الآخر بأنه بسبيله للجوء للتحكيم وذلك خلال مدة لأتجاوز 28 يوماً تبدأ من تاريخ انقضاء الـ 84 يوماً المحددة لإصدار مجلس فض المنازعات لقراره، والتي تبدأ من تاريخ تسلم المجلس خطاب إحالة النزاع إليه، وفي حال عدم وجود مجلس فض المنازعات لأي بسبب كانقضاء فترة تعيينه مثلاً، ففي هذه الحالة يمكن إحالة النزاع مباشرة إلى التحكيم.

في الجزء التالي من المقال نتناول -إن شاء الله- أنواع التحكيم، ومزاياه وسلبياته، وآليات تنفيذه، وغيرها من الأمور التي تلقي بمزيد من الضوء على هذه الوسيلة المهمة في حل النزاعات خاصة في مجال صناعة التشييد.

والله الموفق.

مجلس فض المنازعات في الأعمال الإنشائية (2) .... د. م. م. مالك دنقلا

Written By Amged Osman on الاثنين، سبتمبر 26، 2022 | 7:25 ص

 مجلس فض المنازعات في الأعمال الإنشائية (2)

د. مهندس مستشار/ مالك علي محمد دنقلا

ألقى الجزء الأول من هذا المقال الضوء على مجلس فض المنازعات كوسيلة فعالة وحل سريع في رفع الإشكالات التي تقع بين طرفي العملية الإنشائية (المقاول وصاحب العمل)، وذلك دون تطور الخلاف واللجوء إلى التحكيم أو القضاء، وجرى شرح مفهوم مجلس فض المنازعات، وفلسفته وخصائصه واختصاصاته.

في هذا الجزء يستمر الحديث عن بقية جوانب هذا الموضوع الحيوي والمؤثر على الأعمال الإنشائية.

أهداف مجلس فض المنازعات:

تهدف مجالس فض المنازعات إلى الآتي:

(1) تسهيل عملية النزاعات التي قد تنشأ بين طرفي العقد.

(2) مراجعة النزاعات وحلها.

(3) إصدار القرارات بشأن النزاعات.

(4) تجنب الذهاب إلى التحكيم.

(5) يصدر مجلس فض النزاعات قراره معللاً.

(6) وضع قواعد إجرائية مفصلة ومتوازنة.

(7) توعية الأطراف ومساعدة المشروع.

(8) التركيز على المساعدة في تجنب النزاع والمناقشات غير الرسمية لحل الخلافات.

(9) تقليل تراكم المطالبات.

(10) حماية للمشروع، واتخاذ إجراءات سريعة ومباشرة.

مهام مجلس فض النزاعات:

1-              (1) زيارة الموقع بشكل منتظم.

2-              (2) مراجعة وملاحقة المطالبات وحلها على الدوام من قبل المجلس؛ بحيث لا تبقى متروكة دون نظر أو مراجعة، لكيلا تتفاقم وتتطور إلى نزاع رئيسي.

3-              (3) تكثيف الزيارات في المشاريع المعقدة أو التي تحتوي على ظروف ما، أو إذا ما كان هناك عقبات تواجه تقدم العمل بالمشروع.

4-              (4) جدول الزيارات يحوي على تقرير عن تقدم العمل، متبوعٍ بكشف للمشروع والأشغال، وعلى الأخص للأجزاء التي تحتوي صعوبات واحتمال نشوء نزاعات بشأنها.

5-              (5) زيارات المجلس للموقع تتوقف على طبيعة الأعمال وتقدم الأشغال والإشكالات الكامنة أو القائمة فعلياً.

6-              (6) يبقى المجلس على اطلاع دائم بتقدم وتطور العمل، ويتم ذلك عادة بإرسال نسخة له عن تقرير تقدم العمل بشكل دوري، حيث يتم دراسة هذه التقارير بتمعن وفهم، ومن ثم تبويبها وحفظها للرجوع إليها عند الحاجة، أو في حال نشوب أي نزاع.

7-              (7) تترافق زيارات المجلس للموقع مع جلسات الاستماع للطرفين بشأن أي نزاع ناشئ بينهما تسهيلاً للحل.

8-              (8) دراسة جميع أوراق ومستندات المشروع من البداية.

تعيين مجلس فض المنازعات:

طبقاً للفيديك؛ يتم تعيين مجلس فض المنازعات بشكل مشترك من قبل المستثمر والمقاول، ويضم عضواً واحداً أو ثلاثة أعضاء، إذا قرر الطرفان تشكيل لجنة من ثلاثة أعضاء، ويعين كل طرف عضواً واحداً يجب أن يقبله الطرف الآخر، وبعد ذلك، وبالتشاور مع أول عضوين، يقوم الطرفان معاً بتعيين عضو ثالث يرأس مجلس التحكيم في المنازعات.

لكن في المشاريع الصغيرة غالباً ما يمكن أن يكون المجلس مكوناً من شخص واحد، كما يمكن في المشاريع الكبيرة المعقدة والمتعددة الاختصاصات اللجوء إلى عدد أكبر من الأعضاء مثل (خمسة أعضاء) متعددي الاختصاصات، بحيث يقوم رئيس المجلس بالاختيار من بينهم حسب نوع النزاع الناشئ.

وبالتالي إذا كان (المجلس) يتكون من ثلاثة أعضاء يقوم كل فريق بتسمية عضو واحد للحصول على موافقة الفريق الآخر عليه، ومن ثم يقوم الفريقان بالتشاور مع العضوين المعينين للاتفاق على العضو الثالث والذي يتم تعيينه رئيساً للمجلس، على أنه إذا كانت هنالك قائمة خبراء مشاراً إليها في اتفاقية العقد، فإنه يتم اختيار أسماء الأعضاء من بين الأسماء الواردة فيها، باستثناء أي شخص غير قادر أو غير راغب في قبول التعيين كعضو في المجلس.

ويتم اختيار الأعضاء بشكل دقيق، مع أخذ أمور عدة بعين الاعتبار، منها الخبرة الفنية، والثقة والمعرفة بإدارة وتفسير العقود؛ حيث يتم اختيار أعضاء مجلس فض المنازعات من مهندسين ذوي خبرة عملية في النواحي الفنية والمالية والقانونية، خاصة في:

- قضايا التصميم والبناء ذات الصلة بالمشروع.

- تفسير وتطبيق وثائق العقد.

- عملية تسوية المنازعات.

قرارات مجلس فض المنازعات:

بناء على اختصاص المجلس بالنظر في أي نزاع قد ينشأ عن العقد، فعند حدوث نزاع بين المقاول ورب العمل، يقوم أحد الفريقين بإحالة النزاع خطياً، ويبين الفريق المحيل أن إحالة النزاع إنما تتم وفقاً لأحكام المادة (20/4) من شروط الكتاب الأحمر، وقبل النظر في النزاع يتوجب على الفريقين أن يزودا المجلس بكل المعلومات عن النزاع والوثائق المنتجة فيه، ويقوم المجلس بالنظر في النزاع على أن يصدر المجلس قراره خلال أربعة وثمانون يوماً من تاريخ إحالة النزاع إليه، ويمكن تمديد هذه المدة شرط موافقة طرفي العقد على التمديد.

وعند صدور قرار المجلس يتعين على الأطراف تنفيذه ما لم يتم الطعن على هذا القرار، ويتم الطعن على القرار بأن يرسل الفريق المعترض إلى الفريق الآخر إخطاراً بعدم رضاه عن القرار يبين فيه أسباب عدم رضاه (أو طعنه)، ويكون الطعن بطريق اللجوء إلى التحكيم، وتكون مدة الطعن هي ثمانية وعشرون يوماً من تاريخ تسلم الطاعن للقرار.

أما في حال عدم اعتراض أحد الفريقين على قرار المجلس خلال المدة المنصوص عليها يصبح القرار نهائياً وملزماً وقابلاً للتنفيذ، وإذا أخفق المجلس في نهاية الأربعة والثمانين يوماً من تاريخ تسلمه لإحالة النزاع أو أي مهلة يتفق عليه الفريقان للبت في النزاع فيمكن لأي فريق أن يبلغ الفريق الآخر بعدم رضاه وذلك خلال ثمانية وعشرين يوماً من انقضاء مدة الأربعة والثمانون يوماً وتتم إحالة النزاع للتحكيم.

مزايا مجلس فض المنازعات:

(1) وجود المجلس يمكن طرفي العقد من الاستعانة به والاستفادة منه كأداة استشارية، وبالتالي يتم اللجوء اليه لأخذ النصح بصورة غير رسمية مما قد يساعد على تلافي النزاع.

(2) يساعد وجود المجلس على بث روح التعاون بين الجهاز التنفيذي للمقاول والجهاز الإشرافي للمالك للوصول إلى أعلى درجات الفعالية لتنفيذ المشروع.

(3) الزيارات الدورية الميدانية التي يقوم بها مجلس فض النزاع المكون من أفراد على أعلى مستوى من الخبرة في مجال المشروع يشكل رقابة ضمنية من قبل المجلس على فريقي التنفيذ والاشراف.

(4) هناك مرونة عملية عالية لعمل ومهام المجلس؛ مما يتيح القدرة لجميع أطراف العقد على تعديلها بما يتناسب والظروف الخاصة بطبيعة كل مشروع، فالبنود الخاصة بالمجلس ليست ملزمة بحد ذاتها، إذ يمكن للأطراف الاتفاق على تعديل البنود المنظمة لعمل المجلس، مثل الاتفاق على تعديل المدد أو الإجراءات التي يقوم بها المجلس.

(5) كلفة مجلس فض المنازعات أقل بكثير من التحكيم أو التقاضي، لذا كلما كان المشروع كبيراً ومعقداً كانت كلفة استخدام المجلس أجدى، أما في المشاريع الصغيرة فيفضل استخدام فرد واحد للمجلس لكي تكون الكلفة بحدود مقبولة.

(6) تحقيق السرعة والفاعلية وتوفير التكلفة.

(7) مجلس فض النزاعات هو صنيعة العقد وإرادة طرفيه، حيث يتم اختياره بتوافق الآراء.

(8) عامل مساعد استباقي لتجنب الصراعات النامية.

(9) الموضوعية والحياد.

(10) اطلاع دائم على تطور وتقدم الأعمال والعقبات التي تعترضها.

(11) إمكانية دعوته في وقت مبكر لفض أي نزاع جدي يمكن أن ينشأ أو يتطور بين طرفي العقد دون أن يتمكنا من حله، وإعطاء قرار ملزم أو توصية سريعة لكيفية أو إمكانية حل هذا النزاع.

(12) تجنب إشراك المحامين في المراحل المبكرة.

(13) تجنب ذهاب النزاع إلى التحكيم.

(14) فض النزاعات عن طريق المجلس هو أقل كلفة من الوسائل الأخرى للتقاضي والتحكيم.

(15) منح كل طرف فرصاً معقولة لعرض قضيته والرد على الدعوى المرفوعة ضده.

(16) اعتماد الإجراءات المناسبة للنزاع، وتجنب التأخير أو النفقات غير الضرورية، وإصدار القرار ضمن الجدول الزمني المطلوب.

(17) وجود المجلس خلال تنفيذ المشروع وحله للنزاعات الناشئة بسرية يحافظ على سمعة الفريقين.

سلبيات مجلس فض المنازعات:

(1) الكلفة الباهظة للأعضاء الدوليين.

(2) عدم قيام الأطراف باحتساب التكلفة بميزانية المشروع.

(3) لا يعطي وقتاً متسعاً للأطراف.

(4) الكشف المحدود للخبايا.

(5) عدم حلف اليمين للشهود.

(6) جلسات استماع غير رسمية.

(7) قد تبقى النزاعات الحقيقية بشأن الحقائق المادية لما بعد عملية الاستماع.

(8) وثائق المشاريع الكبيرة عادة ما تكون كثيرة جداً، والمعرفة التامة بالأمور لدى الشهود غير متاحة لتقلل من النزاعات الواقعة.

(9) قرارات مجلس فض المنازعات ليست إلزامية للأطراف.

(10) صعوبة تنفيذ القرار الملزم أحياناً.

التوصيات:

1-              (1) ينصح أن يتم الاجتماع بين طرفي العقد والمجلس بوقت مبكر قبل البدء في تنفيذ المشروع، ليتم شرح طريقة عمل المجلس بشكل دقيق ومفصل، ولكي يكون طرفا العقد على دراية ومعرفة بتقنية عمل هذا المجلس، حتى يسهل لاحقاً عمل هذا المجلس خلال تقدم الأعمال وسرعة فض النزاعات المحالة إليه.

2-              (2) اعتماد هذا الأسلوب في حل النزاعات بالقضايا الهندسية، وتعديل القوانين والأنظمة للتوافق مع متطلبات استخدامه كوسيلة سهلة وسريعة واقتصادية لفض النزاعات.

3-              (3) العمل على توسيع التعليم والتدريب على هذه الوسيلة لفض النزاعات وإعداد أشخاص مؤهلين للقيام بهذه المهام.

4-              (4) توعية أطراف التعاقد في المشاريع الإنشائية بأهمية اللجوء إلى مجلس فض المنازعات كوسيلة بديلة لفض منازعاتهم، عن طريق تسليط الضوء على مزايا المجلس في فض الخلافات، وتكون هذه التوعية من خلال وسائل الإعلام والندوات والمؤتمرات والبحوث والمقالات ووسائل التواصل الاجتماعي والمواقع الإلكترونية المهنية.

5-              (5) إضفاء صفة الإلزام على قرارات مجلس فض المنازعات، من خلال إخضاع هذه القرارات لرقابة المحاكم، ومنحها الحق في التأكد من سلامة الإجراءات.

6-              (6) يتعين دائماً على جميع الأطراف أن يقدموا إلى المجلس كل المعلومات الإضافية بدون توانٍ، وأن يوفروا إمكانية الدخول إلى الموقع والتسهيلات المناسبة التي يطلبها لغرض تمكين المجلس من اتخاذ قرار بشأن الخلافات.

7-              (7) اعتماد مجموعة من الخبراء الأكفاء قانونياً وفنياً محلياً وعالمياً -على أن يراعى في اختيارهم وجود مهندسين وقانونيين– بحيث يسمح بترشيح أي عضو من مجموعة الخبراء المعتمدين ضمن جداول معتمدة.

8-              (8) دعم البحوث العملية على وسائل فض المنازعات، وذلك بالتعاون مع نقابات المهندسين والمحامين وكليات الدراسات العليا في الجامعات، وابتعاث أشخاص قانونيين ومهندسين إلى الخارج للاستفادة من تجارب الدول الرائدة في هذا المجال.

الخلاصة:

مجلس فض النزاعات هو أداة فاعلة لمنع حدوث أو تطور للخلافات، حيث إن وجوده يلقي بظله على العقد والمشروع، وبالتالي يخفف نشوب أي نزاع، ويحافظ على التعاون بين أطرافه، ويشكل أرضية مناسبة للحلول الودية بينهما، حيث إن الفكرة الأساسية لمجلس فض النزاعات هي إمكانية دعوته في وقت مبكر لفض أي نزاع جدي يمكن أن ينشأ أو يتطور بين طرفي العقد دون أن يتمكنا من حله، وإعطاء قرار أو توصية سريعة لكيفية أو إمكانية حل هذا النزاع، وبالفعل استطاع مجلس فض النزاعات النجاح في حل أغلب النزاعات دون اللجوء إلى التحكيم أو القضاء، حيث بينت الإحصاءات أنه من حوالي 1000 حالة اعتمدت فيها هذه الطريقة، تم فقط  في حالة واحدة اللجوء إلى التحكيم أو القضاء.

كما ان وجود مجلس فض النزاعات خلال تنفيذ المشروع، واطلاعه الدائم على المستندات وتطور المشروع والعقبات تجعله قادراً على إعطاء رأيه بأسرع وقت ممكن، وهذه السرعة تسهل تقدم سير الأعمال في المشروع، بجانب تسهيل التدفق النقدي للمقاول، علاوة على أن تبني بند يتضمن مجلس فض النزاعات في مستندات العطاء المحضرة من قبل المالكين، تجعل العارضين مطمئنين إلى وجود عدالة في تنفيذ المشروع، ويجعل المقاولين موضوعيين في تقديم أسعارهم بحيث لا يبالغون في عروضهم.

والله ولي التوفيق.

مجلس فض المنازعات في الأعمال الإنشائية (1) .... د. م. م. مالك دنقلا

Written By Amged Osman on الأحد، سبتمبر 25، 2022 | 10:45 ص

 مجلس فض المنازعات في الأعمال الإنشائية (1)

د. مهندس مستشار/ مالك علي محمد دنقلا


أوضحنا بالتفصيل في مقال سابق أنواع المنازعات ومصادرها وأسبابها، والتي تواجه العديد من مشاريع البناء، والتي يعود غالبها نتيجة التطور والتنوع الكبير في صناعة الإنشاءات، وحجم المشاريع وتعقيداتها، وطول المدة الزمنية التي تستغرقها عملية التنفيذ، أو لأسباب تعاقدية كإخلال أحد الأطراف بواجباته والتزاماته المنصوص عليها بالعقد، أو غيرها من الأسباب العديدة التي تؤدي لحدوث المنازعات، وهو ما يؤثر بالسلب على نجاح المشاريع، حيث نرى الكثير من المشروعات المتوقفة بسبب مطالبات ونزاعات لم يتم تسويتها في الوقت المناسب، بجانب هدر الوقت والجهد والأموال، ما يقتضي ضرورة أن تحتوي العقود على آلية سريعة لتسوية المنازعات قبل تفاقمها لحماية المشروع من الدخول في نزاعات طويلة ومكلفة للغاية.


كما بينا أن هناك عدة آليات لفض النزاعات في عقود التشييد دون اللجوء إلى المحاكم، وتسمى (طرق التسوية غير القضائية)، حيث تعد هذه الطرق من الوسائل الودية البديلة لحل النزاعات الناشئة عن عقود مقاولات التشييد، والتي يتم اللجوء إليها حال العجز عن حل النزاع بطرق التسوية الخاصة، ويتم خلالها تقريب وجهات النظر بين أطراف النزاع للوصول إلى الحلول النهائية، وبالتالي أصبحت إحدى أهم المراحل الرئيسية التي يجب المرور بها كحل استباقي، يوفر على المتخاصمين (المقاول وصاحب العمل) الدخول في عملية التقاضي وإجراءات المحاكم والخصومات القضائية؛ لكون أن هذه المنازعات لها طبيعة خاصة عن غيرها من المنازعات، إذ لا تحتمل التأجيل مما ينبغي حلها بطرق غير قضائية.

ويوجد العديد من طرق فض المنازعات المتعارف عليها، والتي في أغلب الأحوال يكون منصوصاً عليها كشرط من شروط العقد، ويتضمن هذا الشرط وسيلة حسم النزاع، حيث يكفي في عقد المقاولة الإشارة إلى أنه في حالة نشوب أي نزاع بين المقاول وصاحب العمل بشأن عقد المقاولة تتم تسويته طبقاً للشروط العامة للمقاولات (فيديك)، بما مفاده اتفاق الطرفين بشأن كافة المنازعات الناشئة عن الالتزامات الواردة في هذا العقد بغير حاجة إلى النص في عقد المقاولة على تفاصيل هذا الشرط اكتفاء بالإحالة إليه.

ومن طرق فض المنازعات ما يسمي بـ(مجلس فض النزاعات)، وذلك عندما يتم إخضاع العقود لأحكام عقد الفيديك، وبالتالي يجب عندئذ العمل بأحكام هذا العقد فيما يشمله من أحكام خاصة بتسوية المنازعات.

مفهوم مجلس فض المنازعات:

يعد مجلس فض المنازعات شكلاً من أشكال الوسائل البديلـة لتسـوية المنازعات، وخصوصاً في عقود الانشاءات الدولية التي تضمنها عقود الفيديك، وهو ليس تحكيماً أو تقاضياً، حيث يقوم بتسوية المنازعات عن طريق قواعد العدالة والإنصاف، وتقوم هذه المجالس بالتدخل للمساعدة، أو مناقشة أي مسألة سعياً لتسويتها ودياً، قبل أن تنقلب إلى نزاع، وذلك بوأد الخلافات التي تقع بين أطراف العقود في مهدها، وخاصة العقود التي تستغرق مدة طويلة في تنفيذها، كما يكون لها مهمة إبداء الرأي غير الملزم بخصوص أي مسألة تحال إليها من قبل الأطراف.

ومثل معظم الإجراءات المتبعة في الوسائل البديلة لفض النزاعات، يتم تفويض طرف ثالث محايد ليساعد في إجراءات حل النزاعات، والقرارات التي تصدر عن هذه المجالس هي قرارات ذات مصدر عقدي، وهو اتفاق الأطراف فيما بينهم، فهم الذين يحددون نطاق قوة هذا القرار، وعلى ذلك فإن هذا القرار له الأثر القانوني نفسه الذي يكون للاتفاقات العقدية بين الأطراف، كما أن المجلس يقوم بأعماله الموكلة له، وهذه الأعمـال لا تكون فقط متعلقة بالنزاع، بل هناك أعمال تقوم قبل نظر النزاع وهـو الإلمـام بأعمال المشروع، ومن ثم نظر النزاع المحال إليه وإصدار قراره خلال المدة القانونية، ويتم تعيين المجلس بصفة عامة في بداية المشروع، ويستمر خلال فترة تنفيذ المشروع لمواجهة المشاكل قبل تفاقمها ومحاولة حلها وديّاً.

تسوية المُنازعات في شروط (الفيديك):

بعد صدور الطبعة الأخيرة من الكتاب الأحمر للفيديك عام 1999م اختلف منهج اتحاد الفيديك في التسوية الودية للمنازعات الناشئة عن نماذج العقود التي أصدرها قبل ذلك، فقبل صدور الكتاب الأحمر في عام 1999م كان منهج الفيديك في حل المنازعات يتمثل في إحالة النزاع الناشئ بين صاحب العمل والمقاول للمهندس للتسوية الودية قبل اللجوء إلى التحكيم.

ولكن نتيجة امتعاض المقاول الدائم من انشغال المهندس، وبطء استجابته للرد على مطالباته، بجانب اتهام المقاولين للمهندسين بالتحيز وعدم الحيادية أثناء دراسة المطالبات والرد عليها لصالح المالك الذي يستخدمه ويدفع له أتعابه، تم الدعوة إلى إدخال طرف ثالث محايد من خارج أطراف المشروع لفض النزاعات.

وبالتالي مع صدور الطبعة الأخيرة من الكتاب الأحمر في عام 1999م تغير الموقف، وانتقل هذا الاختصاص لمجلس سمي مجلس فض النزاعات أو Disputes Adjudication Board، بحيث تكون مهمته الرئيسية هي: فض النزاعات الناتجة عن المطالبات غير المتوافق عليها، وإعطاء نصائح وحلول لمنع تفاقم الأوضاع والنزاعات خلال تنفيذ عقود الإنشاءات.

مجلس فض النزاعات طبقاً لعقد الفيديك:

في عقد الفيديك الجديد وفي البند الجزئي 20-2 (تعيين مجلس فض النزاعات) لجأ فيديك إلى تحديد وسائل فض النزاع بين الأطراف بمجلس فض النزاعات DAB، وقد توسع في بيان طريقة اختيار أعضاء المجلس وصلاحياتهم، كما أوضح أنه : يتعين على (المجلس) -خلال مدة لا تتجاوز (84) يوماً من تاريخ تسلمه إشعار إحالة الخلاف إليه أو خلال أية فترة أخرى يقترحها المجلس ويوافق عليها الفريقان- أن يتخذ قراره بشأنه، ويشترط في هذا القرار أن يكون معللاً، وأن ينوه فيه على أنه يتم إصداره عملاً بأحكام هذه (المادة)، ويعد هذا القرار ملزماً للفريقين، ويتعين عليهما تنفيذه، إلا إذا تمت مراجعته (أو إلى حين أن تتم) بطريقة التسوية الودية أو من خلال إجراءات التحكيم كما سيرد لاحقاً، وما لم يكن قد جرى التخلي عن العقد أو نقضه أو إنهاؤه، فإنه يتعين على المقاول في مثل هذه الحالة أن يستمر في تنفيذ الأشغال وفقاً لأحكام العقد، وإذا لم يرتضِ أي فريق قرار (المجلس) فعليه -خلال (28) يوماً من بعد تاريخ تسلمه للقرار- أن يرسل إشعاراً للفريق الآخر يعلمه فيه بعدم رضاه.

وكذلك إذا لم يتمكن (المجلس) من إصدار قراره خلال فترة ال (84) يوماً (أو حسبما يتفق عليه خلافاً لذلك) من تاريخ تسلمه طلب إحالة الخلاف إليه، عندئذ يجوز لأي فريق خلال فترة (28) يوماً التالية لفترة (84) يوماً المنقضية، أن يعلم الفريق الآخر بعدم رضاه.

في أي من هاتين الحالتين، يتعين بيان موضوع الخلاف وأسباب عدم الرضا في ذلك الإشعار، وكذلك التنويه أنه قد تم إصداره بموجب أحكام هذه (المادة)، وباستثناء ما يرد تالياً في المادتين (20/7 و20/8)؛ فإنه لا يجوز لأي فريق المباشرة بإجراءات التحكيم حول الخلاف، الا إذا تم إصدار الإشعار بعدم الرضا على النحو المحدد في هذه (المادة).

أمور مهمة بشأن مجلس فض النزاعات:

وفقا لعقود الفيديك يمكن ملاحظة الأمور التالية:

تقسم مراحل التسوية الودية للمنازعات إلى مرحلتين، الأولى: هي المرحلة السابقة على الطبعة الأخيرة من الكتاب الأحمر للفيديك في عام 1999م، والثانية: في الطبعة الأخيرة من الكتاب الأحمر للفيديك عام 1999م.

(2) التسوية الودية للمنازعات في المرحلة السابقة على الطبعة الأخيرة من الكتاب الحمر للفيديك في عام 1999م: كانت النسخة المطبقة على عقود الفيديك هي النسخة الرابعة الصادرة من الاتحاد الدولي للمهندسين الاستشاريين عام 1987م، وكانت هذه النسخة تلزم بضرورة إحالة النزاع إلى المهندس للتسوية الودية للمنازعات التي تنشأ بين المقاول وصاحب العمل، قبل اللجوء للتحكيم.

(3) نتيجة اتهام المقاولين للمهندسين بالتحيز وعدم الحيادية أثناء دراسة المطالبات والرد عليها لصالح المالك الذي يستخدمه ويدفع له أتعابه، نصت الطبعة الأخيرة من الكتاب الأحمر للفيديك عام 1999م إلى إدخال طرف ثالث محايد من خارج أطراف المشروع لفض النزاعات بسرعة، وسمي (مجلس فض النزاعات).

(4) يتحتم على طرفي العقد في حال حصول خلاف بينهما عدم اللجوء إلى التحكيم أو القضاء، قبل أن يلجآ أولاً إلى حل الخلاف عن طريق مجلس فض النزاعات.

(5) تعيين مجلس فض النزاعات محدد بالتفصيل في نصوص الفيديك.

(6) بدلات الأتعاب العائدة لمجلس فض النزاعات يجب أن تدرج ضمن العقد الموقع بينهم وبين طرفي العقد.

(7) بموجب البند 20.1 من الشروط العامة، يتم تقديم المطالبات أولاً إلى مهندس العقد، كنوع من (الدرجة الأولى)، ولديه فترة 42 يوماً لتأييد المطالبة أو رفضها، مما يوفر تبريراً تفصيلياً للقرار من الناحية العملية، وذلك عندما يكون مهندس العقد متمرساً وموثوقاً به من قبل الأطراف، فإذا تعذر حل النزاع من قبل مهندس العقد، فسيتم نقله بعد ذلك إلى مجلس الفصل في المنازعات، والذي يتم تعيينه بشكل مشترك من قبل المستثمر والمقاول.

(9) قد يعمل مجلس الفصل في المنازعات، الذي يوفر نوعاً من مراجعة الاستئناف للقرارات من قبل مهندس العقد، كهيئة يمكن للأطراف تقديم النزاعات إليها مباشرة، متجاوزاً مهندس العقد.

(9) في عقود الفيديك حددت فترة 84 يوماً يقوم مجلس فض النزاعات إعطاء قراره خلالها، وذلك من تاريخ اللجوء إليه لفض نزاع ما، وبالتالي يعتبر سريع جداً مقارنة مع الوسائل الأخرى من تحكيم أو تقاضٍ.

(10) إن حل النزاعات عن طريق مجلس فض النزاعات هو عملية بسيطة وغير معقدة، ولا داعي في معظم الأحيان للاستعانة بالمحامين أو المستشارين للمساعدة في إجراءات فض النزاع نظراً للخبرة التي يتمتع بها الأعضاء.

تعريف مجلس فض المنازعات:

يعرف مجلس فض المنازعات بأنه:

«شكل من أشكال التسوية الودية يعهد بموجبه طرفي العقد إلى طرف ثالث حائز على ثقة الأطراف بحل الخلافات الناشئة بين هذين الفريقين، من خلال دراستها والنظر فيها والتوصل إلى حل يتمثل في قرار يصدره هذا الطرف الثالث (المجلس) بعد إجراء معاينات وتحقيقات».

كما عرفه البعض بأنه: «هيئة مستشارين من ذوي الخبرة غير المتحيزين والمستقيمين، والمزودين بوثائق العقد والمخططات والمواصفات، والمطلعين على تطور وتقدم العمل من خلال الزيارات الميدانية والدورية للموقع، والمعينين قبل بداية تنفيذ المشروع».

وعرف أيضاً بأنه: «مجموعة من الخبراء المستقيمين المحايدين يتم اختيارهم من طرفي العقد، ليطلعوا باستمرار على سير العمل في المنشأة وحل المنازعات لحظة نشوئها».

فلسفة مجلس فض المنازعات:

تقوم فلسفة الوساطة الخاصة بالمجلس على نظام التدخل المبكر في المنازعات العقدية التي يتعذر على طرفي العقد إيجاد حلول لها إلا من خلال الاستعانة بخدمات طرف ثالث مستقل يضمن في عمله الحياد والمهنية، إضافة إلى معاصرته لتطور المشروع حيث يقوم هذا الطرف (مجلس فض المنازعات) بتقديم حلول سريعة فعالة خلال فترة تنفيذ المشروع وليس بعد الانتهاء منه، كما انه يضمن تمثيل مصالح طرفي النزاع بشكل متوازن.

كما نص عقد الفيديك على تشكيل المجلس في بداية حياة المشروع بمعرفة أطراف العقد الإنشائي، وله مهمة التوصل إلى حلول وقتية للمنازعات التي قد تنشأ أثناء تنفيذ المشروع في أسرع وقت، حيث يقوم هذا المجلس على أساس استفادة أعضائه من خبرتهم الشخصية والتخصصية على نحو يسهل معه التعامل مع القضايا القانونية والفنية ذات العلاقة بموضوع النزاع.

التعيين المبكر والزيارات الدورية للموقع من قبل المجلس يجعل المجلس قادراً على التعرف على المشروع بشكل مفصل ودقيق، ويجعله أكثر قدرة على معاينة المشاكل أولاً بأول عند حدوثها؛ مما يتيح معالجتها بسرعة وإعطاء القرار المناسب.

ولأن المجلس يقوم بالتصدي لحل النزاع مباشرة وفي مراحله الأولية وعند وقوعها مباشرة، فبالتالي لن تتوفر البيئة التي تؤدى إلى استفحال موضوع النزاع من جانب أحد الأطراف، ولن يجد المهندس عذراً لعدم استطاعته متابعة وتوفير وثائق النزاع نتيجة انشغاله بأنشطة المشروع اليومية، حيث إن المجلس سيقوم بكل ذلك، وهنا يتم القضاء على المشاعر العدائية من الكره والحقد التي يكنها أحد الطرفين للآخر نتيجة لعدم الاهتمام أو التجاوب أو التأخير.

خصائص مجلس فض المنازعات:

يتميز مجلس فض المنازعات بعدة خصائص هي:

(1) هيئة تتكون من شخص أو عدد من الأشخاص المحايدين تتوافر فيهم النزاهة والاستقامة والموضوعية والكفاءة الفنية والقانونية في موضوع النزاع الذي ينشأ بين طرفي عقد المقاولة.

(2) عملية فض النزاع بواسطة هذا المجلس تتم عن طريق قواعد العدالة والإنصاف الطبيعية.

(3) طرفا النزاع يجب أن يكونا ملمين بالقضية المطلوب الفصل بها، ويجب أن يُعطيا الفرصة بالتساوي لعرض وجهات النظر والدفوع.

(4) بعكس التقاضي والتحكيم فإن مجلس فض النزاع لا يخضع لرقابة القضاء أو الأنظمة القانونية.

(5) قرار مجلس فض النزاعات غير ملزم فوراً عند صدوره، بل هنالك فترة يمكن لأي من الطرفين أن يبدي اعتراضه على القرار، وبالتالي اللجوء إلى وسائل أخرى لفض النزاع.

(6) مجلس فض النزاعات لا يلتزم بقواعد ثابتة أو عرف دولي ثابت كالتحكيم.

(7) مجلس فض النزاعات -وبخلاف الوساطة- يجب عليه أن يصدر قراراته استناداً لنص العقد والقوانين المنطبقة.

(8) قرار المجلس هو أقرب ليكون شبيهاً برأي خبرة (Expert Determination) الذي يصبح ملزماً وفقاً لنصوص العقد.

(9) مجلس فض النزاع لا يخضع لرقابة القضاء أو الأنظمة القانونية.

(10) هو ليس وساطة (Mediation) أو تحكيماً أو تقاضياً (Litigation).

(11) في مجلس فض النزاعات -ومثل معظم الإجراءات المتبعة في الوسائل البديلة لفض النزاعات- يتم تفويض طرف ثالث محايد ليساعد في إجراءات حل النزاعات.

(12) الفكرة الأساسية لمجلس فض النزاعات هي إمكانية دعوته في وقت مبكر لفض أي نزاع جدي يمكن أن ينشأ أو يتطور بين طرفي العقد دون أن يتمكنا من حله، وإعطاء قرار أو توصية سريعة لكيفية أو إمكانية حل هذا النزاع.

(13) إمكانية اللجوء إلى التحكيم أو إلى القضاء إذا لم يتم الموافقة من قبل أحد الأطراف على الحل المقترح خلال فترة محددة.

(14) أعضاء المجلس لا يعملون كمدافعين عن الأطراف.

اختصاص مجلس فض المنازعات:

يختص مجلس فض المنازعات بموجب الشروط العامة لعقود الفيديك بالبت في الخلافات التي تنشأ بخصوص العقد أو تنفيذ الأعمال، والتي تقع بين المقاول ورب العمل، ويمكن أن يناط أعضاء المجلس بمهمة إبداء المشورة بأي أمر يحال إلى المجلس من قبل أطراف العقد شرط اتفاقهم على مشاورة المجلس بذلك الأمر.

في الجزء التالي من هذا المقال، سيجري وبشيء من التفصيل-بإذن الله تعالى- التطرق إلى أهداف مجلس فض المنازعات، وقوة قراراته، ومزاياه وسلبياته.

وبالله التوفيق.

 
Support : Creating Website | Johny Template | Mas Template
copyright © 2011. سوداكون - All Rights Reserved
Template Created by Creating Website
Proudly powered by Blogger