الرئيسية » » عمارة الحجر الرملي : نشتاق لألق الساندستون - د. هاشم خليفة

عمارة الحجر الرملي : نشتاق لألق الساندستون - د. هاشم خليفة

Written By Amged Osman Abdelatif Mohammed on الأحد، نوفمبر 11، 2018 | 6:06 ص

Slide2 د. هاشم خليفة

علاقتنا بالحجر الرملي أو الساندستون كما يشار إليه باللغة الإنجليزية كخامة بنائية أساسية ضاربة في القدم وتعود بنا لآلاف السنين. قصة حب طويلة مع هذه الخامة النبيلة المتوهجة وثقت لها روائع معمارية عبر عصور متعاقبة. تشهد عليها معابد وأهرامات ممالك حضارة كوش التي ترصع الصحاري في شمالنا الحبيب. حمل بين جنبات عمارته المدهشة مضمون رسالة عدة ديانات عبر عدد من الحقب التاريخية. تعامل معها بذهن وفكر مفتوح. نجح عبر مرونة طبيعة خامته ومظهرها الوهاج في عكس وتوصيل مفاهيمها العقائدية على أحسن ما يكون.

كان الساندستون حاضراً بقوة في توصيل المعاني العميقة لديانة الإله الأكبر آمون خلال مراحل ممالك كرمة ونبتة في إطار حضارة كوش. تشهد بذلك عدد من المعابد تحديداً تلك الرابضة والجاسية تحت أقدام جبل البركل وعلي رأسها معبد آمون الكبير. كان الحجر الرملي على أهبة الاستعداد لتقديم خدماته في مرحلة لاحقة لحضارة كوش. عندما اتخذ ملوك وأهل مملكة مروي خطوتهم الجريئة فاتخذوا لهم إلهً محلياُ هو آبادماك. كان له ظهور مشرف علي واجهات معبده الصغير الأنيق معبد الأسد. عمل مهيب لعمارة الحجر الرملي أرخ لمرحلة تحول عقائدي مهمة للغاية.

Slide3تمتع الساندستون بروح متسامحة وعقيدة راسخة بالحرية الدينية. كان حاضراً بقوة لاحقاً عندما حطت المسيحية رحلها بنفس بتلك الديار النوبية في القرن الثاني الميلادي. ازدانت به عمارة كنيسة فرص في إعلان مؤقت وإشهار لذلك الدين السماوي. كان لاحقاً جاهزاً لتقديم أعظم الخدمات عندما دخل الإسلام لبلادنا وتمدد وفرض نفسه وأسس له وجوداً فاعلاً في بدايات القرن العشرين. ظهر بشكل باهر هذه المرة في ثياب وإطار إسلامي في حاضرة الحكم الثنائي الإنجليزي المصري. حمله المصريون علي أكف الراح باعتباره خامتهم الأثيرة فزينوا به عمارة المسجد العتيق الذي يعتبر واحداً من أهم معالم الخرطوم الأثرية.

فارق الساندستون أرض النوبة في تلك الأزمنة الضاربة في القدم وارتحل لمناطق أخري في السودان يبحث له في عهود لاحقة عن موطئي قدم. لم يشاء أن يزاحم ابن جلدته الحجر المرجاني في رحاب ميناء سواكن في شرق السودان خلال القرنين الثامن عشر والتاسع عشر. ترك له المجال كاملاً لكي يصوغ بأحجاره المجلوبة من قاع البحر وسواحله أجمل الروائع المعمارية. ارتحل مع بدايات القرن العشرين إلى الخرطوم الكبرى التي أنشاءها نظام الحكم الثنائي الإنجليزي المصري. فأجتهد لكي يشكل حضوراً مشرفاً وإن كان محدوداً خلال فترة احتلال استمرت لستة عقود من الزمان. فساهم في تطريز أفق العاصمة بدرر من عمارة الحجر الرملي.

Slide4أسس كل واحد من الشريكين مساهماته المعمارية على خامة البناء الأثيرة بالنسبة له. انحاز البريطانيون للطوب الاحمر وتحديداً النوع المستخدم في الواجهات المعروف باسم السدابة. تبني الجانب المصري بشكل صريح الحجر الرملي الذي تربطهم به علاقة ضاربة في القدم استمرت عبر القرون لتعبر عن علاقة حميمة. استئثارهم بهذه الخامة النبيلة لم يمنع البريطانيين من مغازلتها أحيناً. لكنها كانت حالات نادرة جاءت في إطار منظومة من درر عمارة السدابة التي طرزوا بها أرجاء العاصمة المثلثة. لكنها كانت مؤثرةُ بحق إذا أخذنا في الحسبان قيمتها المعمارية العالية.

كانت ضربة البداية بالنسبة للمصريين أهم المباني بالنسبة لهم ذات الطابع السيادي. مبنيي السفارة والقنصلية وقد خصص لهما موقعين مفتاحيين. موقع السفارة في الطرف الغربي من شارع الجامعة على الجانب الجنوبي المواجه لقاعة الصداقة. خصص للقنصلية موقع علي شارع الجمهورية في الجزء الغربي من مركز الخرطوم التجاري. كلا المبنيين متوشحان تماماً بالحجر الرملي الذي أضفي على العمارة بديعة التصميم شخصية اعتبارية بائنة و (بريستيج) طاغي. مدخل مبني القنصلية محتشد ب (موتيفات) ومفردات تراثية من عدة حقب من تاريخ مصر. ملامح وسمات مبني السفارة أكثر عصرية. عمليات التجديد المتعاقبة التي طالته لاحقاً خصمت كثيراً من طابعه الكلاسيكي.

Slide5وضع الجانب المصري يده على جزء مقدر من المنطقة الواقعة غرب الخرطوم. خصص منها موقع مترامي الأطراف لمؤسسة تعليمية كان لها أثر كبير خلال فترة الحكم الثنائي وهي مدرسة الملك فاروق. أولاها إهتماماً خاصاً والواضح أنه أراد أن ينافس بها كلية غردون التذكارية التي أسسها شريكه البريطاني. تدل على ذلك نوعية ومستوي مبانيها التي جاءت تحفة من عمارة الحجر الرملي بديعة التصميم متقنة التفاصيل كلاسيكي السمت. تميزت بمدخل مهيب مصمم علي شكل بوابة عملاقة محتشدة بالمكونات والمفردات التراثية. الواضح أن هذا الاهتمام الفائق جاء كرد عملي على الإنجاز المعماري بالغ التمييز للجانب البريطاني في مبني كلية غردون التذكارية. هذه العمارة عالية القيمة في زمان لاحق دفعت إدارة جامعة النيلين لتخصيصه لكلية الآداب.

وجدت المؤسسات الدينية حظها من الاهتمام الخاص من الجانب المصري في نظام الحكم الثنائي. شكلت أحد أولوياتهم وهم يجتهدون مع شريكهم البريطاني في تأسيس عاصمتهم الوليدة في النصف الأول من القرن العشرين. يبدو أنه كان هناك دافع إضافي لهذا الاهتمام حركته روح المنافسة له علاقة بعمل مهم للشريك البريطاني. الذي شيد كنيسة كبيرة مميزة التصميم في إطار مجمع القصر الرئاسي وليست ببعيدة عنه. في حالة استثنائية هنا تخلوا عن خامتهم الأثيرة طوب السدابة فشيدوها بالحجر الرملي. يبدو أن هذا العمل الرائع كان دافع إضافي للجانب المصري لكي يرد بالمثل. فشيد جامع كبير في موقع مفتاحي في العاصمة الخرطوم.

Slide6خُصص للمسجد موقع مترامي الأطراف في وسط مركز المدينة التجاري الذي تم تأسيسه بخطي متسارعة مع في بدايات القرن العشرين. كان أول وأكبر مسجد زمانئذ واستمر على هذا الحال لعقود من الزمان لهذه الأسباب سمي بمسجد الخرطوم العتيق. اهتم به الجانب المصري أيما اهتمام. بعض الجوانب التخطيطية منحت المشروع قيمة مضافة إذ شيد المبني في وسط موقع متطاول. مفسحاً المجال لساحتين على الجانب الشرقي والغربي كانتا له بمثابة الحرم. فأفسحتا المجال لمنظر بانورامي من الجهتين تتوجه المنارات، المآذن، الشاهقة التي رصعت أفق مركز الخرطوم التجاري.

رد الجانب المصري من خلال هذا المشروع الكبير على شريكه البريطاني بنفس الخامة البنائية والطراز المعماري الضارب في القدم. تفوق عليه ورد له الصاع صاعين. أستخدم الحجر الرملي لكآنه يريد أن يثبت بأنه هو الأجدر بالتعامل معه من واقع العلاقة التاريخية الضاربة في القدم التي تربطه به. وظفه بمهارة وحذاقة عالية فأنتج عملاً رائعاً محتشداً بالتفاصيل الدقيقة المتكئة على تراث العمارة الإسلامية المدهش. حلق بالحجر الرملي إلي أعلي مراقي الكلاسيكية فبذ بذلك طراز كنيسة القصر. إذا قيمنا هذا العمل وقارناه بإنجاز منافسه البريطاني علي أساس أهم معيارين هنا، توظيف الخامة والتعامل مع التراث نجده متفوقاً عليه بمراحل.
Slide7
لم تكن العمارة حجرية مائة بالمائة إذ تفصل بين مكوناتها مساحات من الطوب الأحمر. تظهر تقنيات وفنيات الحجر الرملي بكثافة في الأجزاء المهمة التي تشكل مركز الانتباه والاهتمام. مثل المداخل الرئيسة تحديداً المنطقة الواقعة فوق الأبواب التي تصدح وتتجلي فيها أعمال الحجر. نلاحظ هنا محاولة لم تصب قدراً كبيراً من النجاح لاستنساخ حالة مداخل مسجد أصفهان الشهير ببلاد الفرس. رفرفت الأعمال الزخرفية فتوجت الحوائط الخارجية، تلك الشرائط التي تعرف باسم حائط البارابيت التي تغازل الأفق.

قمة التعامل مع الحجر الرملي تتجلي في المئذنتين الشاهقتين. تحتشد أسطحها بالأعمال الزخرفية البارزة مع تركيز على أجزاء معينة. تحديداً التي تحمل المكونات الناهضة مثل الشرفات أو البلكونات. تتجلي هنا المقرصنات التي ابتدعها المهندس والمعماري المسلم قبل آلاف السنين فتشكل حضوراً باذخاً. تضاريسها الثرية وشكلها الناهض الذي يحمل الشرفات على أكف الراح يشكل أهم الملامح في جسم المئذنة. عبقرية هذه الفكرة نابع من أنها تستمد جمالياتها من نظامها الهندسي. تشتعل فنيات أسطح المئذنة وتتوهج عندما تغازل أشعة شمسنا المدارية تفاصيل تضاريسها المنمنمة في غدوها ورواحها.

Slide8تمسك الجانب البريطاني وتحيز بشكل فاضح لخامتهم الأثيرة طوب السدابة التي زينت جل أعماله المعمارية. ذلك التوجه لم يمنعهم أحيناً من مغازلة الحجر الرملي الذي قادهم ذات مرة للارتماء تماماً في أحضانه. بداء ذلك الغزل من طرف خفي في مبني مكتب البريد الرئيس المجاور للقصر الرئاسي من ناحية الغرب. كان ذلك إلى حد كبير مؤسس على قرار منطقي نابع من أن الحجر الرملي أقوي من الطوب الأحمر. عليه أستخدم في الأجزاء الإنشائية التي تحمل المبني الناهضة في أركانه والأعمدة الضخمة المصطفة في الواجهة. تواجدها في تلك الأجزاء بالرغم من محدوديته شكل حضوراً لافتاً. منح الواجهات حيوية وألقاً بائناً وأضفي على العمارة سمات (بريستيج) واضحة.

مشروع محدد وثق لحالة استثنائية سلمت فيها الجهات البريطانية المعنية بالمشاريع المعمارية المهمة نفسها طائعة مختارة لخامة الحجر الرملي. استسلمت له تماماً فبادلها حباً بحب. فمنحها كل أسرار تقنياته وجمالياته المدخرة في خزائن كلاسيكيات عمارة الحضارات الضاربة في القدم. تجلي هذا الجمال البازخ في مبنيين تؤامين متقابلين يحيطان بالطرف الجنوبي لشارع فكتوريا القصر حالياَ. شكل هذان العملان حالة فريدة وسط تلك المنظومة البديعة من عمارة السدابة التي زين بها الشريك البريطاني جيد عمارة الخرطوم.
Slide9
أعتقد أن سر عظمة هذين المشروعين العظيمين تكمن في العواطف الجياشة التي حركت العمل فيهما منذ البداية. تمويلهما جاء من مبلغ كبير هو حصيلة دية دفعت لأرملة السير لي ستاك حاكم مصر والسودان في منتصف ثلاثينيات القرن الماضي. سددتها لها الحكومة المصرية تعويضاً لاغتيال زوجها بأيدي مصرية. كان اللورد حسب إفادات زوجته يكن حباً كبيراً للسودانيين. فقررت أن يخصص المبلغ لمشروع يقدم لهم خدمات طبية خاصة بتركيز على مكافحة الأمراض والأوبئة التي تهدد صحتهم. عليه استثمر ذلك المبلغ في تأسيس معمل طبي مركزي حمل إثم السير وصار لفترة طويلة يشار إليه بمعمل ستاك.

جاء تنفيذ هذا المشروع متزامن مع مشروع مشابه له تماماً في شكله العام وكل تفاصيله شيد على الجانب الغربي من الشارع. أهمية المبني الثاني نابعة من أنه خصص لمؤسسة شكلت واحدة من أهم أسبقيات الشريك البريطاني. الذي جعل أمر تأسيس التعليم الجامعي واحد من أهم اهدافه. كخطوة متقدمة في إطار تطوير كلية غردون التذكارية أنشاء كلية الطب التي كانت نواتها الاولي مدرسة كتشنر الطبية. كنوع من الاهتمام الفائق بها خصص لها مبني بالغ التمييز طبق الأصل من مبني معمل استاك شيد على الجانب الغربي من الشارع.

Slide10عمارة وتصميم وتفاصيل كلا المبنيين المتقابلين والذي يفصل بينهما شارع فكتوريا متشابه تماماً. كأنهما صورة طبق الأصل من بعضهما البعض. مثل هذه الحالة يشار إليها بالتناظر والظاهرة نفسها بالتناظرية. هي من أهم سمات العمارة الكلاسيكية التي جسدها هذين المبنيين في أوضح صورها. نجدها هنا بداءً بملامح التخطيط العام للمنطقة بكاملها. مبنيان على جانبي الشارع متشابهان تماماً. فكرة التناظر نفسها كانت في الأزمنة القديمة متأصلة إذ كانت هي الأساس لتخطيط المدن فاتبعها المحتل هنا ترسيخاً لقيمه الموروثة.

تنزلت بعد ذلك سمات وبصمات الكلاسيكية لمستويات أقل. نلاحظها في ملامح عامة في خارطة المبني وشكله العام. في حالة استثنائية نجد الجزء الأوسط المواجه للشارع الرئيس علي شكل ربع دائرة. معروف أن العمارة الكلاسيكية تأسياً بمفاهيم الفيلسوف اليوناني الأشهر أفلاطون تحتفي بالأشكال الأساسية التي صارت تقترن باسمه. تعتبر الدائرة وأجزائها واحدة من أهمها. في نفس هذا السياق استلفت العمارة هنا واحد من أهم الأشكال الأفلاطونية وهو الكروي. في حالة نادرة وفريدة لم تتكرر في عمارة الكولونيال السودانية نجد الجزء الأوسط من المبني معروش بقبة. طلائها باللون الفضي منحها تميزاً لافتاً معبراً عن أهمية هذا المشروع وقيمته التذكارية.

Slide11تتداعي بعد ذلك سمات الكلاسيكية الي تنضح بها عمارة كل واحد من المبنيين المتشابهين تماماَ. لعل من أهمها وأولها اختيار خامة الحجر الرملي. المعروف أنه وبناء على معطيات تاريخية يعتبر خير معبر عن العراقة والقدم. التعامل معه هنا مضي في هذا الاتجاه حتى نهاية الشوط بلا تحفظ. لم يقتصر فقط على شكل المكعبات التي تشيد بها الحوائط إذ وظفه بشكل فجر أعلي إمكانياته وطاقاته النحتية. سطع في تيجان الأعمدة أيونية الطراز التي تشمخ في واجهة الرواق، البرندة، التي تتصدر المبني. استثمر تكويناته النحتية البديعة فتوج وأطر النوافذ الموزعة في الواجهة فأضفي على العمارة القاً وتميزاً بائناً عزز هويتها الكلاسيكية.

أعود مرة أخري لجملة ابتدرت بها حديثي هنا عن هذا التؤام المدهش من عمارة الحجر الرملي. أشرت من قبل للعواطف الجياشة التي ارتبطت بالمشروع. أعتقد جازماً بأنها كانت هي الطاقة الهائلة التي حركت العمل وأوصلته إلى هذه النهايات السعيدة. يعتبر مشروع هذين المبنيين حالة نادرة في مجمل مسيرة عمارة الكولونيال البريطانية في السودان. وثقت لأول مرة لتخليهم الكامل عن خامتهم الأثيرة طوب السدابة وارتمائهم في أحضان الحجر الرملي. الواضح أن تبنيه هنا كان لقناعة بأنه هو الأنجع في توصيل الأحاسيس التي تعتمل في صدر مسز ستاك زوجة الحاكم المغدور. لقد نجحت تلك الخامة أيما نجاح في إنتاج عمارة جاءت قمة في التعبير وذات سمت تذكاري باهر ساهم بشكل مقدر في تخليد ذكراه.

Slide12مبني أخر من روائع عمارة الحجر الرملي التي تم تشييدها خلال فترة الحكم الثنائي خارج منظومة تلك المباني الحكومية المهمة. كان مقراً لرئاسة شركة سفريان وهي أحدي مؤسسات القطاع الخاص التي قام عليها الاقتصاد خلال تلك الفترة. يقع المبني في الجزء الغربي من مركز الخرطوم التجاري وهو ليس ببعيد عن شارع الجامعة الرئيس. مواجه في الجانب الغربي لمبني البرلمان السابق وهو حاليا المجلس التشريعي لولاية الخرطوم. عرفت أن المبني آل للهيئة القضائية التي يقع مقرها على الجانب الشمالي الشرقي منه ويفصل بينهما شارع الجامعة. بالرغم من عمارته المميزة وشكله المهيب نما إلى علمي أن الهيئة تستخدمه كمبني للأرشيف.

طراز مبني المقر السابق لشركة سفريان كلاسيكي كامل الدسم. يشيئ بذلك توشحه الكامل بالحجر الرملي و ضخامته البائنة. تدعم هذا الطراز مكونات وموتيفات مثل تلك التي تحمل الشرفة الناهضة في واجهة المبني والحليات المتوجة للنوافذ والمحيطة بها. منحت العمارة نفساً مميزاً وهيبة و (بريستيج) بائن. كان يليق تماماً بمكانة الشركة في إطار منظومة مؤسسات القطاع الخاص زمانئذ. من المحزن أن كل ذلك الألق المعماري ينتهي به المطاف ليصبح مستودعاً للملفات. لو أنه كان في بلد متحضر بحق لتخاطفته جهات مهمة وجعلته مقراً لرئاستها. لو أن المبني كان في روما مثلاً لاشترته دولة مهمة وجعلته مقراً لسفارتها.

Slide13لحظة الفراق في منتصف العقد السادس من القرن الماضي، أنفض سامر المحتل فلملم عزاله ورحل عن بلادنا. مخلفاً ورائه إرثاً معمارياً لا ينكر قيمته إلا مكابر جحود. تشهد علية منظومة بديعة من روائع العمارة تلألأت في أرجاء العاصمة المثلثة. كانت نتيجة تنافس مستعر بين طرفي الحكم الثنائي المحتل. جاءت في شكل مباراة حامية الوطيس بين عمارة طوب السدابة وغريمها عمارة الحجر الرملي. رحل المحتل وتركنا نحن وعمارتنا في موقف صعب، في مفترق الطرق. ترك ما أسس من عمارة تلك الخامتين لا نقول في مهب الريح لكنه أودعها أمانة في عنق من تولي الأمر من أهل البلد.

نعود مرة أخري لحال العمارة السودانية وهي تعايش ظروف تلك الحالة المفصلية التي كانت أشبه بعملية المخاض. دعونا واستكمالا لما بدأناه ننظر لهذا الموقف من خلال زاوية مواد البناء الرئيسة. كنا قد حصرناها في مرحلة الحكم الثنائي ونظرنا إليها باعتبارها كانت منافسة بين طوب السدابة والحجر الرملي. يكون من المفيد أن نرجع للوراء قليلاً ونتتبع في شكل ملخص سريع مسيرة الخامتين وهما تعبران بالسودان إلى مشارف الاستقلال. لنبداء بحال طوب السدابة.

Slide14للبريطانيين علاقة تاريخية مع خامة الطوب تطورت وازدادت مع الزمن. في هذا الإطار أولاه الجانب البريطاني في نظام الحكم الثنائي كامل عنايته واهتمامه منذ البداية خلال عقود القرن الماضي الأولي. طور صناعته بشكل مدهش وأنتج عدة أشكال من الطوب. ساعدت تلك التطورات وهيأت الظروف لإنتاج أعظم الأعمال المعمارية. كانت خير وسيلة للترويج لخامتهم الأثيرة. قدموها في كل الأطر والطرازات الكلاسيكية منها والحداثية. فمنحونا بأريحية فائقة إرثاً فخيماً وقاعدة ممتازة للمضي قدماً في مسيرة عمارة الطوب وتحديداً طوب الواجهات المعروف باسم السدابة.

كان للبريطانيين في فترة لاحقة دور إضافي لا يقل أهمية في الحفاظ على الموقع المتقدم لخامة الطوب والسدابة كمادة بناء أساسية في السودان. تم ذلك في سياق مختلف وكجزء من دور بالغ الأهمية قامت به مجموعة من الأساتذة البريطانيين. الذين أسسوا في نهاية الخمسينيات أول قسم لدراسة العمارة بجامعة الخرطوم. قام على فكر الحداثة وتوجهه المعماري الذي اجتاح الغرب الأوربي خلال تلك الفترة. كانت خامة الطوب الأحمر والسدابة خامتهم الأثيرة حاضرة بقوة في هذا الإطار. فقدموها بمعاونة أبكار الخريجين من طلابهم النجباء في ثوب حداثي قشيب في مواقع الجامعة المنتشرة في العاصمة المثلثة. خرجت بعد ذلك لتنداح على نطاق أوسع.

Slide15الصورة كانت مختلفة تماماً وغير سارة بالنسبة للحجر الرملي المنافس لطوب السدابة. تفاعلت عدة عوامل فقللت من حظوظه في المنافسة وانعكست بشكل سلبي على مستقبله. واحد من أهم الأسباب أن قبضة الشريك المصري لم تكن محكمة كما هو الحال بالنسبة لشريكهم البريطاني. لم تكن له مساهمة مؤثرة في التنمية العمرانية بالذات في العاصمة. تضاءل دورهم في السودان بشكل كبير بعد منتصف العقد الثالث أثر اغتيال اللورد كرومر حاكم مصر والسودان زمانئذ بأيدي مصرية. كرد فعل لتلك الأحداث قُلص نفوذ ودور الجانب المصري. انعكس ذلك سلباً على مسيرة عمارة الحجر الرملي التي لم يكونوا قد فعلوا الكثير لتقديمها والترويج لها.

بالرغم من ذلك لا يمكن تجاهل او التقليل من دورهم في تقديم عمارة الحجر الرملي بشكل مشرف بالرغم من محدودية الفرص المتاحة. تشهد بذلك أعمال في غاية الروعة أشرنا إليها من قبل بشئي من التفصيل. واحد من العوامل التي حَدت من رفع حد سقف تأثيرهم هي طبيعة عملية إنتاج مدخلات هذا النوع من العمارة. بالذات بالنسبة للأعمال الكبيرة معقدة التفاصيل. أبلغ دليل علي ذلك لجوئهم للحجر الصناعي كبديل للحجر الرملي في بعض الحالات. فعلوا ذلك وهم على وشك مغادرة البلاد مع شريكهم البريطاني. اعتمدوا عليه في تشييد جامع الملك فاروق الذي أرادوا أن يعكسوا فيه روعة العمارة الإسلامية بكل ألقها وتفاصيلها المدهشة الدقيقة. عدم توفر الآليات اللازمة والنحاتين الحاذقين جعلتهم يتخلون عن فكرة استخدام الحجر الرملي.

Slide16ترك المصريون عمارة الحجر الرملي بعد رحيلهم وحاله أشبه بالطفل اليتيم. لم يؤسسوا لصناعة أو آلية إنتاجية يمكن أن تدعمه. العدد المحدود من الاعمال المعمارية المميزة التي خلفوها كانت كلاسيكي الطراز وغير ملائمة لاستنساخها أو استلهامها. المؤسسات التعليمية المعنية بتدريس العمارة لم تؤله هذا الجانب اهتمام يذكر إذ كان تركيزها كما ذكرنا من قبل علي عمارة الطوب. امتدت مسيرتي في مجال تعليم العمارة لعدة عقود من الزمان تنقلت خلالها بعدد من أقسام وكليات العمارة. لاحظت أن المقررات والأساتذة يتجاهلون عمارة الحجر. فحاولت أن أقوم بجهد تعويضي للفت النظر لتقنيات وجماليات الحجر الطبيعي. كان تعاطفي نابع من توفر خاماته بأجزاء عديدة من بلادنا.

حاولت خلال العقود الماضية تتبع مسيرة عمارة الساندستون في أنحاء العاصمة المثلثة فلم أجد لها للأسف الشديد أثر واضح. ينطبق هذا القول على مدينتي الفاضلة أمدرمان بالرغم من أنها تتمدد على أرض أساسها الحجر الرملي النوبي Nubian sand stone. تجاهل المحتل لهذه الأمر خلال العقود الأولي من فترة حكمه مفهوم من واقع أن المدينة لم تكن مأمونة تماماً بالنسبة له. لكنه في زمان لاحق أنتبه لهذا الأمر واستثمر في الحجر الرملي المتوفر بالمدينة. أستخدمه بشكل محدود جداً لهذا السبب صارت تلك الحالات النادرة معالم مهمة هناك.

Slide17شيد في موقع مهم في الجانب الجنوبي الشرقي من سوق المدينة علي اهم شوارعها مدرسة شهيرة توشحت بكاملها بهذه الخامة النبيلة. لهذا السبب كان تسمي بمدرسة الحجر. خامتها المتفردة ومنظرها الشامخ وتصميمها المميز جعلها من أهم معالم مدينة أمدرمان. ارتبطت بأحداث مؤثرة للغاية إذ إنشات بها مدرسة كانت هي النواة لكلية غردون التذكارية. ثم استضافت بعد ذلك مدرسة وادي سيدنا الثانوية التي أسسها المحتل علي أعظم نظم بلاده قبل أن تٌرحل لموقعها شمال أمدرمان. لم يتضاءل دورها بعد ذلك بعد أن صارت مدرسة أمدرمان الأميرية الوسطي التي خرجت أجيال وأجيال من الصبية صاروا لاحقاً أعلاماً يشار إليهن بالبنان.

تتابعت العقود خلال فترة الحكم الوطني ولم يتغير موقف عمارة الساندستون بشكل ملموس. تراجع موقف هذه الخامة مع انتشار المباني متعددة الطوابق إذ أن ثقل وزنها صار عاملاً معوقاً لاستخدامها. بالرغم من هذا التراجع نلاحظ تواجد محدود لنوعيات أخري من الحجر الطبيعي. ظهر على استحياء في بعض الأعمال الحداثية القرانيت والبازلت فيما يشبه عملية التطعيم. اعتاد بعض المعماريين الحداثيين مثل عبد المنعم مصطفي وكمال عباس تطريز أعمالهم وأغلبها من نوع الفيلات بمساحات محدودة منها. الواضح أن اختيارها نابع من اختلاف لونها عن لون مساحات الطوب في الواجهات في عملية تنوع محببة contrast.

Slide18

مع بداية الألفية الثالثة حدث تطور كان يمكن أن يعطي صناعة عمارة الحجر الرملي دفعة مقدرة. حصل رجل الأعمال أشرف سيد أحمد علي حق الاستثمار في جبل صغير يقع جنوب مدينة بأمدرمان. فبداء هناك مشروع لإنتاج الوحدات البنائية أطلق علي اسم الكاردينال. ركز على إنتاج وحدات الطوب وصرف النظر عن المكعبات ذات الحجم الأكبر. يبدو أن استبعاد المكعبات سببه ثقل وزنها وصعوبة حملها على العمال. خصم هذا القرار من حظوظ عمارة الحجر الرملي واختفت الشركة من الصورة. تبقي لنا اسم الكاردينال الذي التصق بصاحب المشروع فضاعف من شهرته. التي زادها بنجاحات باهرة في مشروع أخر في مجال الرياضة إذ شيد الجوهرة الزرقاء كمجمع رياضي بمستوي عالمي.

خلال رحلاتي المكوكية في أرجاء العاصمة المثلثة في السنوات الأخيرة كنت دائماً ابحث بفضول عن مبني مشيد من الحجر الرملي. للأسف الشديد وإلى حد بعيد يبقي ذلك المبني متوسط الحجم وحده كالسيف. الرابض في موقعه بحي الخرطوم شرق علي شارع الشريف يوسف الهندي الفرعي وعلى مرمي حجر من شارع المك نمر. عمل معماري بالغ التميز لأنه يجمع بشكل عبقري متوازن بين الأسلوبين الكلاسيكي والحداثي. صممه المبني المعماري المخضرم المميز مفجر المفاجآت حيدر أحمد علي وأعده كمكتب استشاري لمجموعته.

Slide19أعتبر هذا المبني بالرغم من صغر حجمه وانزواء موقعه واحد من أميز المباني التي صممت منذ بداية الألفية. شكل اختراقا مهماً نفذه حيدر منطلقاً من تركيبته وخلفيته وجسارته المعمارية المعهودة. المبني مشيد خارجياً بكامله بالحجر الرملي. تصميمه وكافة تفاصيله مخدومة بإخلاص بائن علي وجه التحديد منطقة المدخل الصغيرة على الجانب الشرقي. عمارة محمولة بدون نقل حرفي على أجنحة الكلاسيكية التي أضفت عليها إحساس نابض بالعراقة. كما عودنا حيدر عمارته دائماً حبلي بالمفاجآت التي فجرها في الواجهة. جزء بارز في الجانب الغربي بمقدار متر مشيد بالمكعبات الزجاجية. يصنع حالة تضاد لا بل تصادم بائنة مع معالجة كلاسيكية الهوى.

اجتاحت العالم الغربي مع بدايات القرن الماضي متغيرات فكرية عاصفة حملت معها رياح الحداثة في كافة المجالات. نالت الإبداعية منها نصيب الأسد وكانت العمارة في قلب الحدث. في إطار أجندتها شنت حرباً شعواء على النهج والتوجهات الكلاسيكية. وصلتنا تداعياتها فظهرت ملامحها المعمارية في نهايات العقد الخامس. شهدت نهاية السبعينيات في نفس ذلك الغرب الأوربي حركة معاكسة. أطاحت بكل مفاهيم الحداثة فاستدرت الكلاسيكية أراضيها مرة أخري. لكنها لم ترجع بثوبها القديم الذي نسج منواله عباقرة الحضارات الضاربة في القدم. تأكيدا لمبدأ الإبداع وهو أساس العمل الفني عادت محمولة على فهم جديد مؤسس على استلهام التراث بدون ما نقل حرفي.

Slide20في هذا الإطار ظهر التوجه المناوي للحداثة وتبلور في نهاية السبعينات في الغرب الأوربي ويشار إليه بما- بعد- الحداثة. شكل إطار عريض نشاءت داخله مدارس متعددة صوبت كل واحدة منها واستهدفت واحدة من نقاط ضعف نهج الحداثة. نركز هنا على واحدة منها لكي نحقق بعض أغراضنا الخاصة. نبحث في إمكانية استثمار رؤيتهم كوسيلة لعودة عمارة الحجر الرملي لكي تحتل مكانة متقدمة في مدننا. يشار لهذه المدرسة باسم الكلاسيكية الراجعة Neoclassical school. فكرتها تقوم على الارتكاز على الموروث التاريخي كمصدر إلهام أساسي والانطلاق منه لصياغة عمارة جديدة تنأي بنفسها عن النقل الحرفي.

أعادت أفكار هذه المدرسة العمارة الكلاسيكية إلى دائرة ضوء مرة أخري. لكنها ظهرت في ثوب جديد. يبدو أمرها من أول وهلة في منتهي البساطة لمن ينظر إليه بدون تعمق في فحواها وفلسفتها. إلا أنه في واقع الحال بالغ التعقيد ومحفوف بالتحديات وأكبرها تحريم النقل الحرفي. تم التحايل على هذه الجزئية بعدة طرق. كآن يتم استخدام نفس شكل المبني مع تغيير ملحوظ في حجمه أو خامته البنائية. قد يكون الاختلاف في نوع الاستخدام. فتح هذا التحايل الباب على مصراعيه للإغتراف بقصد الاستلهام من ثروات العمارة التاريخية من كافة منابعها.

Slide21المنابع متعددة من أهمها حضارات الأزمنة الضاربة في القدم. أكثرها تأثيراً الشمال أفريقية والأوربية المطلة منها علي البحر الأبيض المتوسط والأسيوية. نستهدف هنا إلى حد كبير ولخدمة أغراضنا الخاصة تأثيرات عمارة الحضارة الفرعونية وجارتها الكوشية. شكلت عناصرها مادة خصبة للنقل بتصرف مع حالات استلهام جديرة بكل الاحترام والانتباه. أحرزت أغلبها نتائج مقنعة وبعضها قدم أعمالاً باهراً. القاسم المشترك فيما يخص المواد البناء المستخدمة كان هو بلا شك الحجر الطبيعي بأنواعه المتعددة.

تهمنا بشكل خاص هنا في إطار تناولنا لموضوع الحجر الرملي عمارة الحضارة الفرعونية إذ كان هو دائماً سيد الموقف. الحديث عنها يقودنا لحال حضاراتنا الضاربة في القدم التي جايلتها، تحديداً كوش بممالكها الثلاثة. المصرية نالت جل الاهتمام لعدة أسباب معروفة. الأهرامات بشكلها الأسر والمهيمن نالت جل الاهتمام. استهدفها رواد مدرسة الكلاسيكية الراجعة وقاموا بتدويرها بشتى الطرق متفادين عملية النقل الحرفي. أشهر النماذج ذلك الهرم الزجاجي الرابض في الفناء الأمامي لمتحف اللوفر في باريس. تم التحايل هنا بتغيير الحجم وخامة البناء التي يغلب عليها الزجاج. شمل التحايل أيضاً تغيير غرض الاستخدام ففي حالة مجمع متحف اللوفر أستوعب الهرم مبني استقبال فسيح.

Slide22في هذا السياق الواضح أن مبني المعبد الفرعوني والكوشي لم يجد الاهتمام الكافي مع أن العمارة هنا حبلي بالأفكار المفعمة بالدراما. دَرستها بعمق وافتتنت بها أيما افتتان واعتدت دائماً أن أنقل تلك الأفكار إلى طلابي بعاطفة جياشة. شكلها العام وكل تفاصيلها تقدم دروساً مجانية فهي قمة في التعبير المعماري. حبانا الله في إطار عمارة مملكة مروي بحالة استثنائية، تجمع بين مكونين متجاورين حجمهما متقارب نسبياً. فالهرم متوسط الحجم يربض أمامه معبد جنائزي أقل منه حجماٌ. شكلا معاً مشهداً في غاية الروعة. افتتنت به عدة جهات مهمة بعضها اتخذه شعاراً لمؤسسته. نذكر هنا على سبيل المثال صحيفة الأهرام اليوم وقناة الشروق الفضائية واتحاد المقاولين السودانيين.

كنا نتوقع في إطار مفاهيم مدرسة الكلاسيكية الراجعة أن يتم استثمار مثل هذه الحالات بشكل إبداعي. بالإمكان التلاعب ببعض سماتها كما فعل الفرنسيون في هرم متحف اللوفر الذي أشرنا إليه من قبل. لكنني أفضل في هذه الحالات الاحتفاظ بالحجر الرملي كمادة أساسية إذ أنه سيمنح العمارة مهابة واحساس بالقدم. عمارته إذ اتكأت على تاريخنا وتراثنا السوداني تكون هي الأنسب للمباني السيادية. للأسف الشديد مع التحولات السياسة أوكل أمر التعامل مع مثل تلك المشاريع لمن يفتقدون للرؤية المعمقة والفهم المتقدم. هذه واحدة من إفرازات حل وزارة الأشغال واستبدالها بجهة تديرها مجموعة صغيرة بمؤهلات متواضعة وخبرات محدودة.



Slide25ضيعنا فرصة ذهبية كانت متاحة في مشروع القصر الجمهوري الجديد. أتوا لنا بعمارة ليست لها علاقة بتراثنا. الواضح من تعامل الجهة المصممة التي أشرنا إليها من قبل مع عدد من المشاريع المهمة جهلهم واستخفافهم بقيمة عمارتنا التاريخية. يشهد على ذلك تشويههم لمبني القصر الجمهوري القديم. بالإضافة لمباني تاريخية مهمة مثل المبني السابق لوزارة الأشغال ومبني المديرية الذي صار مقراً لمجلس الوزراء. قللت تلك الأفعال من قيمة كنوز من عمارة الخرطوم التراثية لا يمكن تعويضها. من سخرية القدر أن تلك الجهة تسمي نفسها (الدار الاستشارية لتطوير الخرطوم). أنه بحق فهم سطحي لموضوع التطوير الذي يؤسس على تدمير الماضي بكل ما فيه من ألق ومعاني.

انا أختم هذا المقال طالعت في الصحف إعلانات لجهة تعمل في إنتاج الحجر الرملي. سرني الخبر للغاية فتمنيت لهم النجاح لكنها فرحة لم تكتمل لأنها سينتجون حجر التجليد الذي لا يصلح لتشييد الحوائط الأساسية. الطريق طويل وشاق لكي ننجح في أن تسترد هذه الخامة النبيلة موقعها كمنافس لخامات البناء الأخرى. يجب أن نعمل معاً على كافة الأصعدة لتحقيق هذا الهدف بحسبانه عمل وطني فالحجر الرملي متوفر في الكثير من أرجاء بلادي. نحتاج لعمل دؤوب في كافة الجبهات من أهمها تعليم العمارة. يجب أن نستنهض الهمم لدفع الجهات الرسمية لتبني هذا التوجه. العمل الإعلامي مهم جداً على كافة الأصعدة والوسائط. بدأت هذا الجهد قبل عقدين من الزمان عبر التلفزيون القومي. هأنذا أطرق أبواب الفضاءات الإسفيرية لأعانقكم عبرها.

Slide27

Slide26

البروفيسور مشارك دكتور معماري/ هاشم خليفة محجوب

أمدرمان- أكتوبر 2018


*هذه المقالة التي اجتهدت لكي أجعلها في شكل دراسة مجودة مختصرة مع أخريات مثلها ستصدر قريباً في كتاب من تأليف الدكتور/ هاشم خليفة بعنوان (عمارة السودان: مواقف ومشاهد).
شارك هذا المقال :

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

 
Support : Creating Website | Johny Template | Mas Template
copyright © 2011. سوداكون - All Rights Reserved
Template Created by Creating Website
Proudly powered by Blogger