الرئيسية » » عمارة التراب المحسن السودانية تحتاج لمزيد من الجاذبية .... د. هاشم خليفة محجوب

عمارة التراب المحسن السودانية تحتاج لمزيد من الجاذبية .... د. هاشم خليفة محجوب

Written By Amged Osman Abdelatif Mohammed on السبت، أكتوبر 27، 2018 | 7:50 ص

 د. هاشم خليفة محجوب  

ترجع علاقتنا بعمارة التراب لألاف السنين وتدل على ذلك أطلال حضاراتنا الضاربة في القدم بداءً بممالك حضارة كوش في شمال السودان. شكلت تلك القاعدة نقطة انطلاق تداعت بعدها عمارة التراب عبر القرون لتسد أفق مدننا وأريافنا. استوطنت وطاب لها المقام في شمال السودان وأواسطه حيث تنعدم أو تقل الأمطار. ظروف معينة منحته شعبية كاسحة. منها توفر خامات البناء والمهارات المحلية. من أهمها أيضاً ملائمة عمارته لظروفنا المناخية المتقلبة، فبيوت الطين باردة في الصيف ودافئة في الشتاء. تضاف لتلك الميزات سهولة تشكيله وإمكانية خدش أسطحه. استثمر النوبيون الشماليون هذه الخاصية فأنتجوا عمارة محلية تنبض جمالاً.

لا يمكن أن تخفي تلك الميزات المتعددة نقاط ضعف عمارة التراب والطين والتي قعدت به عن منافسة مواد البناء الحديثة. من أهمها ضعفه النسبي إذا قارناه بمواد منافسه مثل الطوب الأحمر والحجر الطبيعي والخامات الإسمنتية. الذي حرمه من التطاول في البنيان وهو أمر ذو مردود اقتصادي مهم. من أهم المآخذ علي عمارة التراب أو الطين ضعف مقاومته لمياه الأمطار التي تنحر أسطحه الخارجية. درج أهلنا لحمايتها بإضافة طبقة من أهم مكوناتها روث البهائم وهي عملية منفرة. قللت هذه الجوانب السالبة من فرص منافسة عمارة التراب لباقي خامات البناء الأخرى في سوح المدن.



لم يقف العلماء والباحثون في مجال تقنية البناء والتشييد موقف المتفرج وهم يرون عمارة التراب في موقف متراجع. تحركوا عالمياً قبل أكثر من مائة عام فتصدوا لهذه المشكلة بشتى الطرق. ركزوا على مناطق الضعف التي أقعدت بهذه الخامة وحرمتها من التنافس مع غريماتها. حددوها في الضعف الذي أقعدها عن حمل طوابق عليا وقلل من مقاومة أسطحها لمياه الأمطار. فانطلقوا في همة عالية لتمكينها من تجاوز نقاط ضعفها وأنتجوا ما عرف باسم عمارة الطين المثبت او المحسن. هذا العمل الكبير حقق مكاسب إضافية إذ حسن من منظرها وجعل أسطحها ناعمة الملمس.

تحرك جهدهم في أكثر من اتجاه وركزوا في البدء علي رفع درجة قوته لتحمل الأثقال. واحدة من نقاط ضعف عمارة الطين التقليدية ناتجه عن طريقة تجهيز كتله ووضعها في جسم الحوائط. تنتج عنها فجوات هي من أهم أسباب ضعفها وعدم مقدرتها علي حمل عروش ثقيلة وطوابق إضافية. ركزت المجهودات على تجاوز هذه المشكلة. فاستخدمت آليات ضاغطة او مكابس قللت من تلك الفجوات في الحوائط والوحدات المستخدمة في تشييدها. أسدت هذه العملية خدمة أخري مهمة إذ أنها حسنت من شكل الأسطح الخارجية فجعلتها ناعمة الملمس. هذه الميزة جعلت بالإمكان الاستغناء عن بياض أو تشطيب الحوائط الداخلية.

الخطوة الثانية نحو تحسين خواص عمارة التراب والطين صوبت نحو زيادة مقاومة أسطحه للتعرية بواسطة مياه الأمطار. فأضيف للخلطة مقدار ضئيل من مواد يشار إليها بالمثبتات مثل الأسمنت والأنواع الجيدة من الجير. التي ساهمت أيضاً بشكل مؤثر في تقوية الحوائط. بالإضافة إلى ذلك حسنت من مظهر أسطح المباني إذ جعلتها أكثر نعومة. إضافة تلك المثبتات للخلطة جعلت من الضروري رش المباني بالماء لعدة أيام بعد التشييد.

طورت تلك البحوث عمارة التراب فجعلتها منافسة لغريماتها المؤسسة على مواد بناء أخري. حفزت التقنيات المستحدثة جهات عديدة حول العالم فنفذت مشاريع مميزة قبل أكثر من مائة عام. في هذا السياق نرسل من هنا تحية خاصة بأثر رجعي للمحتل البريطاني الذي كان له قصب السبق في هذا المجال. نفذ أول المشاريع الصغيرة في السودان في نهاية اربعينات القرن الماضي. أستخدم فيه مكعبات ترابية مضغوطة شيدت بها عدد من البيوت في حي الزهور فتحت في الخرطوم الذي يقع جنوب مقابر فاروق. عَرفتُ أن بعض منها لا زال صامداً حتى الآن. عليه يجب أن نستلف من البريطانيين قبعتهم لنرفعها لهم تحية إعزاز بأثر رجعي.

توالت المجهودات في نفس هذا السياق في العهد الوطني بعد نيل البلاد لاستقلالها. كان راس الرمح فيها الباشمهندس الرائع المرحوم عبد الرحمن أحمد العاقب الذي أدار العمل بحنكة واقتدار عبر أكثر من موقع قيادي. نزر نفسه وكرس كل جهده لتقديم وتطوير العمل في تحسين عمارة التراب. ألتف حوله بعض من شباب المهندسين والمعماريين في نهاية فترة السبعينات الذين حملوا الراية من بعده. كان أبرزهم الباحث الهمام والدكتور معماري/ الفاضل علي آدم الذي كانت ولا زالت له مساهمات بالغة التمييز في هذا المجال. سنستعرضها لاحقاً بشئي من التفصيل.

سنستعرض هنا مسيرة عمارة التراب المحسن عبر عدة محطات هامة وثقت لمراحل مفصلية في تطوره في السودان خلال فترة الحكم الوطني. التجربة الأولي ونقطة الانطلاق الجادة جرت أحداثها في عام 1988. كان مسرحها مدرسة حامد الخواض بمربع عشرين بضاحية الحاج يوسف بالخرطوم بحري. تجربة بالغة النجاح جاءت نتيجة عمل مشترك تضافرت فيه جهود عدة جهات اعتبارية دولية ومحلية قومية الطابع. أسسوا لتجربة كبيرة رائدة في مجال عمارة التراب المثبت او المحسن.


جاء هذا المشروع العظيم نتيجة لمبادرة من رجل عبقري معماري مميز خلاق مبتكر مفعم بالحس الإنساني والوطني. هو المعماري السوداني المرحوم/ حامد الخواض. كان خلال فترة الثمانينات المدير الإقليمي لمكتب اليونسكو بعمان وهي منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة. تبني عبر المنظمة مشروع تشييد مدرسة في السودان تطبق فيها بشكل نموذجي تقنية عمارة التراب المحسن. قام العمل بتضافر جهود عدة جهات وطنية معنية بهذا الشأن. هي وزارة التربية والتعليم والمجلس القومي للبحوث ووحدة أبحاث البناء بجامعة الخرطوم. تكاملت جهودهم برعاية ومتابعة هيئة اليونسكو. تكريماً للمرحوم الخواض واعترافا بفضله سميت المدرسة باسمه بعد وفاته.

تم اختيار ضاحية الحاج يوسف يإعتبارها منطقة إلى حد ما شعبية. تضافرت جهود منسوبي كل تلك الجهات بشكل حثيث وبروح الفريق لإنجاحه باعتباره مشروعاً رائداً. كان علي راس فريق العمل المصمم وهو المرحوم الدكتور معماري/ أحمد البشير عوض الله المنتسب أوانئذ لوحدة بحوث البناء التابعة لجامعة الخرطوم. الذي قاد العمل بحنكة واقتدار فأسس لتجربة تعتبر هي الرائدة خلال فترة الحكم الوطني في مجال عمارة التراب المحسن.

عظمة المشروع في أنه نفذ العمل بمواد محلية ومعينات بسيطة. فماكينة كبس المكعبات كانت تعمل يدوياً بدون حوجه لتيار كهربائي أو وقود. المكعبات التي انتجتها استخدمت في تشييد كل أجزاء المبني. الحوائط ووحدات الأقوس التي توجت المداخل وكذلك بلاطات رصف الأرضيات. من الإبداعات والإشراقات هنا أن ألواح العرش المموجة نفسها صنعت من مواد محلية. استخدمت فيها ألياف نبات الكناف المنتج محلياً كبديل لمادة الأسبستوس الذي ثبتت أخطاره على صحة الإنسان. حصيلة تلك المبادرات مجتمعة كانت عملاً معمارياً رائعاً يعتد به. نرفع التحية بأثر رجعي لكل من أسهم في إنجاح ذلك المشروع الرائد ونترحم على أرواح من رحلوا عنا.


المحطة التالية التي شكلت منعطفاً مهماً في مسيرة عمارة التراب المحسن سطعت في حي المعمورة الواقع جنوب الخرطوم. مشروع تم تشييده مع بدايات الألفية الثالثة في إطار نفس المباني التعليمية فهي مدرسة أسست علي نظم حديثة. مؤسستها مسز خير المعلمة الهندية المعتقة التي أقبلت على مشروعها الطموح متسلحة بعزيمة وروح أهلها الهنود. فقررت أن تنتهج نهجاُ جديداً مبتكرا في تشييد مبناها. بعد تطواف في أرجاء العاصمة المثلثة استرعت انتباهها تجربة مدرسة الحاج يوسف. التي تولي أمر تنفيذ مراحلها الأخيرة الدكتور معماري/ الفاضل علي آدم بعد وفاة مصممها الأول الدكتور/ احمد البشير عوض الله. فاستعانت به لتصميم وتنفيذ مشروع مدرستها.

كان الدكتور/ الفاضل من حيران او حواريو الباشمهندس/ عبد الرحمن أحمد العاقب مؤسس فكرة عمارة التراب المحسن في السودان. تربي على يديه وتأهل برعايته وارتقي بعد ذلك بعد رحلة بحث مضنية إلي أعلي الدرجات العلمية في هذا المجال. أقدم على هذا المشروع وكله عزم على إحداث اختراقات مبينة وقد كان له ما أراد. زاوج في هذا العمل بين نهج متقدم في توظيف المكعبات الترابية المثبتة مع انواع مبتكرة من العروش الإسمنتية الخفيفة. فأسس لمرحلة جديدة مهمة في مسيرة عمارة التراب المثبت في السودان.

من أهم الاختراقات التي حققها دكتور/ الفاضل في مدرسة هولم هي توظيفه لأول مرة للمكعبات الترابية المثبتة في مبني من طابقين. من المهم الإشارة هنا إلى أن العروش هنا كلها ثقيلة نوعاً ما مقارنة بحالة مدرسة الحاج يوسف المعروشة بأنواع خفيفة. تحايل الدكتور علي تلك العروش الثقيلة واستعاض عنها بأخر المستجدات في هذا المجال وهو نوع لم يستخدم في السودان من قبل. خفيف نوعاً ما ويسمي بعروش الأسمنت الحديدي. استخدام المكعبات الترابية المثبتة هنا في حد ذاته يمثل جرأة كانت محسوبة العواقب. تعامل معها بثقة عالية مؤسسة علي علم رصين.

المحصلة النهائية لمدرسة هولم كانت رائعة بكل المقاييس. من الناحية المعمارية ومن ناحية الاختراقات العلمية والبحثية المنتجة. هي بناءً على أكثر من معيار تعتبر فتحاً مبيناً لعمارة التراب المثبت. لقد حققت حضوراً مشرفاً وسط عمارة حي المعمورة المخصص لطبقة عالية من المجتمع جلهم من المهنيين البارزين. من ناحية أخري، فإن جل الأطفال الذين يلتحقون بهذه المدرسة هم من أسر عالية المقام من الناحية المالية والمجتمعية. إقبالهم عليها هو بلا شك شهادة رضي بعمارة التراب المثبت. قد رسخ في أذهاننا دائماً بأن هذه الخامة البنائية البسيطة لا يمكن أن تجد القبول من الطبقات الأرستقراطية. دكتور الفاضل نجح في كسر هذا الوهم.

الجميل في الأمر أن مسيرة عمارة التراب المثبت لم تقف عند هذه الفتوحات. حمل مشعلها هذه المرة رافعاً رايتها خفاقة معماري آخر زاوج في علمه بين الإبداع المعماري والتقدم التقني في هذا المجال. هو الدكتور معماري/ احمد القوني الذي ارتحل بها في بدايات العشرية الثانية من الألفية الثالثة إلي رحاب مدينة أمدرمان. انتحي بها ركناً قصياً وطبق أفكاره في بيت في حي صالحة جنوب المدينة. حقق اختراقات فتحت لهذه التقنية أفاق جعلتها تنافس غريماتها التي تعتمد بشكل كثيف على استخدام الأسمنت والخرسانة. ابتدع لأول مرة في مجال المكعبات الترابية المثبتة نوعاً متداخلاً تميز بقوة خارقة ومزايا أخري مهمة.

شيد بها دكتور/ القوني هناك لأول مرة بيت من طابقين معروش بالبلاطات الخرسانية العادية ثقيلة الوزن. كلمة السر كانت تلك المكعبات المتداخلة. كل واحدة منها مصممة بطريقة تجعلها وهي في جسم الحائط تتداخل مع الأخريات على جانبيها والموضوعة تحتها وفوقها مما يحقق درجة عالية من التماسك. قوة الحائط ودرجة تماسكه تدل عليها عملية تشييده بدون مادة رابطة، مونة. هذه محمدة وميزة كبيرة إذا حسبنا تكلفة الأسمنت الذي يشكل المكون الأساسي في خلطة المونة.

مدخل دكتور/ القوني الأساسي هنا هو تلك المكعبات المتداخلة. تضاف لخلطة التراب العادي المستخدم لتصنعيها نسبة ضئيلة من الأسمنت لا تتجاوز الخمسة بالمائة. لكن تصنيع المكعبات يحتاج لماكينات كبس بمواصفات خاصة عالية تجلب عادة من جنوب أفريقيا التي تخصصت في صناعتها. ميزتها الأساسية كما ذكرنا من قبل هي قوة تماسك الحوائط العالية التي لا تحتاج لمادة رابطة. لها ميزة أخري لا تقل أهمية إذا أخذنا في الاعتبار ضعف مستوي مهارات البنائيين. تشييد الحوائط سهل للغاية، إذا بني المدماك أو الصف الأول بمهارة يفتح الطريق لباقي العمل بلا مشاكل. يصبح من الصعوبة ارتكاب أخطاء والانحراف عن المسار الصحيح في بناء باقي مداميك الحائط العليا.

كنت ولا زلت مفتتن بتلك المشاريع الثلاثة التي تشكل محطات مهمة في مسيرة عمارة التراب المحسن في السودان. ترجمت ذلك الافتتان لمشروع عملي هدفت من ورائه لنشر المعرفة بين الناس والترويج لهذه التقنية الوسيطة. دعاني الأستاذ الإعلامي الرقم عوض جادين عندا صار مديراً للتلفزيون القومي في نهاية القرن الماضي للمساهمة في برنامج (بيتنا) الذي يشرف عليه. قدمت فيه فقرة أسبوعية أسميتها صناعة البيت غطت في كل مرة نوع محدد بناءً على الخامة الأساسية المستخدمة. خصصت عدد منها لعمارة التراب المحسن تعرضت فيها للثلاثة تجارب المشار إليها هنا. عمل إعلامي أعتز به بحق نال الكثير من الرضي بشهادة عدد كبير من الإرشادات. تجدون حلقات منه موثقة في موقعي الإلكتروني والرابط drhashimk.com.

وثقت تجربة الدكتور/ أحمد القوني في حي صالحة لأخر تجارب عمارة التراب المثبت التي مثلت منعطفاً مهماً في هذه المسيرة الظافرة. جاءت في تسلسل منطقي بعد تجربة مدرسة الحاج يوسف ومدرسة هولم في حي المعمورة الخرطومي. كل واحد من هؤلاء الدكاترة المعماريين العظام أبلي بلاءً حسناً ووضع بصمة مهمة في زمانه. لكنني عاتب عليهم في أنهم حبسوا أنفسهم في جانب محدد من هذه التقنية المؤسسة على نظام المكعبات فصارت أسيرة لعواقب مؤثرة. من أهمها بصمتها الواضحة على الواجهات وهي تلك العراميص أو الأخاديد بين وحدات المكعبات. تبنيهم لها خصم من قيمة عمارتهم وجعلها في النهاية أسيرة الخطوط المستقيمة والزوايا القائمة التي تنتج في النهاية صناديق.

أعتقد أن تنكب درب عمارة المكعبات انتقص إلى حد ما من قيمة أعمال هؤلاء المعماريين الأفذاذ. بالرغم من أنهم اجتهدوا لتلطيف ملامحها الصارمة باللجوء لبعض الحيل مثل استخدام الأقواس، الآرشات، فوق الفتحات والنوافذ الدائرية الشكل. نجحت تلك المحاولات في ضخ بعض الحيوية على عمارتهم. لكنها ما زالت مكبلة وأسيرة الخطي وتعاني من ما تعاني منه بشكل عام عمارة الحداثة التي صارت تقابل بفتور. يبقي في هذه الحالة من المهم البحث عن طريق يحرر عمارة التراب المثبت من ارتهان نظام المكعبات لتنطلق إلى أفاق رحبة.

هناك طرق يمكن أن تحل المشكلة من جزورها. بذلك تحرر المعماري من قيود الخطوط المستقيمة والزوايا القائمة التي لا تنتج إلا الأشكال المكعبة. يمكن صب الطين في قوالب كبيرة تحتوي داخلها الحوائط التي تدك جيداً لكي تكتسب كامل قوتها. المرونة في هذه القوالب الكبيرة في أنها ليس بالضرورة أن تكون كلها في شكل خطوط مستقيمة. يمكن أن تكون منحنية الخطوط أو في شكل نصف أو ربع دائرة. إتباع هذه الطريقة يحرر العمارة من القيود التي فرضتها عليه نظم إنتاج المكعبات.

نتائج تحرر عمارة التراب من مثل هذه القيود تدل عليه أعمال العبقري الفذ المعماري المصري الأسطورة حسن فتحي. حقق نتائج باهرة في بلاده في حقبة الستينات بأعمال ارتكزت على تراث عمارة قري النوبة. صاغ منها عمارة مدهشة طوفت بكل جوانب ونواحي قرية القرنة. نضحت بجماليات متفردة وموتيفات مدهشة. اتسمت بدرجة عالية من الدفء وبحميمية دافقة. قدمت أنموذجاً جاذباً استهوى باشوات ومليونيرات مصر مما دفع حسن فتحي لاستلهامه في صياغة فيلاتهم الريفية في ضواحي القاهرة. اعتمد حسن فتحي في أعماله على التقنيات التقليدية. لكن بالإمكان استلهام أفكاره وتقديمها في إطار تقنيات عمارة التراب المثبت.

نشير في هذا السياق حالة وتجربة سودانية. لم تتبني تقنيات عمارة التراب المحسن لكنها قدمت أعمالاً مميزة يمكن إلى حد ما التأسي بها بالذات فيما يلي مكونها الجمالي. الإشارة هنا لأعمال أخانا الحبيب المعماري السوداني ذو الأصول الأرمنية جاك إشخانيص. استثمر في التراث السوداني في عدد مقدر من أعماله بتركيز علي عمارة بيوت النوبيين الشماليين التقليدية. طرز عمارته بموتيفاتها ومفرداتها الجمالية الجذابة فاستهوت أثرياء المدينة الذين تهافتوا عليها. ما أنجزه هنا لم يخرج كثيراً من إطار مفاهيم حسن فتحي. إنجازاتهما معاً تفتح الباب على مصراعيه لإنتاج عمارة التراب المثبت بشكل جاذب يتفادى مطب نظام المكعبات.

 طريقة أخري من طرق إنتاج عمارة التراب المثبت كانت أكثر حيوية وهي جديرة بالاهتمام لأنها نحت منحً مختلفاً تماماً. ابتدعها وتبناها وطورها بروفيسور أمريكي من أصول إيرانية. انطلق ينشر أفكاره وينفذها هنا وهناك من معهده في أمريكا. يشار إليها بعمارة أكياس الرمل لأنها إلى حد بعيد تعتمد على تراب رملي النوع يعبي في أطوال من الأكياس. لكي أسهل أمر فهمها لطلبتي كنت أقول لهم بأن مراحل تشييد المبني تجمع بين صناعة السجك ولفة العمة. عدة ميزات تجعل هذا النظام ينافس بقوة نظم أخري تقع تحت مظلة عمارة التراب المحسن. سنخلص إلى ذلك بعد أن نلقي مزيداً من الضوء على هذا النظام.

من أهم ما يميز هذا النظام محدودية المواد المستخدمة وبساطة المعدات والمعينات اللازمة لإنتاج العمارة. المواد الأساسية هي الرمل يضاف إليه الأسمنت بمقدار خمسة بالمائة تخلطان معاً بالماء. المعينات المطلوبة هي أطوال من أكياس البلاستيك من نوع شبيه بتلك المستخدمة في تعبئة السكر. قطرها أربعين سنتمتراً أو يزيد حسب الحالة وبناءً على معطيات محددة مثل بحر الغرف التي ستشيد. من المطلوبات أيضاً أطوال من السلك الشائك التي تلف حول أكياس الرمل لكي تثبتها في مكانها وتمنع تدحرجها. المطلوب أيضاً ثقل مثل عجل الحديد مزود بمقبض يستخدم لدك أكياس الرمل في جسم الحائط. هذه هي المواد والمعينات الأساسية المطلوبة لتشييد عمارة أكياس الرمل.

كما ذكرت من قبل طريقة تجهيز وحدات الحوائط أشبه بصناعة قطع سجك عملاقة. تعد أطوال من أكياس البلاستيك وتعبى بخلطة من الرمل والأسمنت والماء وتخلط وتدكك جيداً. تماماً كما يصنع السجك يربط ويحزم كل جزء منها يصل طوله إلى مترين وتستمر العملية بعد ذلك على هذا المنوال. يلف كل جزء بأطوال من السلك الشائك لكي يثبت في مكانه ثم يرفع لكي يشكل جزء من جسم الحائط. تستمر عملية وضع الأكياس في جسم الحائط فوق بعضها البعض ملتفة حول فضاء الحجرة المراد بنائها. تصغر الدائرة كلما ارتفع الحائط حتى تُقفل تماماً في الجزء الأعلى. في عملية شبيه بلف العمامة والاختلاف فقط في الجزء الأعلى.

هناك عدة طرق للتعامل مع تفاصيل وحدات عمارة أكياس الرمل دائرية الخارطة. إذ بالإمكان بكل بساطة عمل فتحات بأي جزء منها. يتميز هذا النظام بدرجة عالية من المرونة. إذ يمكن الدمج والجمع بين عدد من الوحدات الدائرية لتكون أي تشكيلات يريدها المصمم. بعد الانتهاء من تشييدها تبيض من الداخل لتشكل سطحاً مستوياً تماماً. يمكن تكرار العملية خارجياً إذا دعت الضرورة. في المناطق غزيرة الأمطار تغطي الأسطح الخارجية بعازل ماء. ليست هناك مشكلة إذ تمزقت أو بليت أسطح أكياس البلاستيك الخارجية فقد أدت دورها أثناء عملية التشييد. هي هنا أشبه بالقوالب او (الطبالي) formwork التي تصب داخلها العناصر الخرسانية تنتهي مهمتها بعد عملية التشييد فتتم إزالتها.

يمكن التلاعب بوحدات نظام عمارة أكياس الرمل بعدة طرق بما في ذلك التفنن في معالجة أسطحها. كذلك يمكن تصميم وحداتها بأشكال في غاية الطرافة. لهذه الأسباب الوجيهة أطلق مؤسس المعهد الذي أسس لهذا النظام اسم (معهد كاليفورنيا لفنون وعمارة التراب) California Institute for Earth Art and Architecture. مثل هذا السمات والخصائص تقرب العمارة من قلوب عامة الناس والبسطاء منهم بالذات أهالي الريف. فهي تقدم نماذج قريبة من أنماط عمارتهم المحلية. بذلك تصبح هي الأجدر بأن تكون هي الاساس لأي حلول وبرامج تستهدفهم. يتميز هذا النظام بحيوية بازخة وحميمية ودفق إنساني تفتقده عمارة المكعبات.

بالنسبة لبلادنا تعتبر عمارة أكياس الرمل هي الأنسب لأقاليم غرب السودان ذات التربة الرملية. تحديداً منطقة دارفور وهي الأحوج لعمليات إعادة توطين الملايين الذين شردتهم الحروب. مباني القش التقليدية مستهدفة بخطرين أساسيين، النار وضرب النار. أكياس الرمل مثالية للتعامل مع النوع الأول من الأخطار فهي غير قابلة للاشتعال. تعاملها مع مهددات ضرب النار تشهد بها سواتر أكياس الرمل التي تحمي الجنود منه في ساحات القتال. ثمة ميزة أخري ترشح هذا النظام لمشاريع إيواء النازحين وهي بساطة طرق البناء التي لا تحتاج لمهارات خاصة. مما يمكن أفراد مثل هذه المجموعات إذا وجدوا بعض التوجيه من تشييد منازلهم بأنفسهم. 

قبل عدة سنوات زارت بلادنا مجموعة تابعة لمعهد كاليفورنيا بهدف تنفيذ مشاريع بإقليم دارفور استهدف مجموعات النازحين. يبدو أن نواياها لم تكن تخلو من أجندة سياسية والتي كانت سبباً في تعويق عملها منذ البداية مما دفعها للرحيل. فحرمنا من تجربة كان سيكون لها ما بعدها من غرس طيب. من المهم أن نوضح هنا بإن كل المعلومات الخاصة بهذه التجربة والنظام المبتكر لعمارة أكياس الرمل متاحة تماماً عبر عدة مصادر. بالرغم من ذلك حسب علمي لم تتحرك أي جهة بالذات المعنية بهذا الشأن لتبني هذا النظام أو التبشير به. اللوم موجه علي وجه الخصوص إلى الجهات ذات الصلة بإقليم دارفور علي وجه التحديد البحثية منها والتنفيذية.

ما قيل عن نظام أكياس الرمل ينسحب على عدد من تجارب نظم عمارة التراب المثبت. جلها تم تمويل بحوثه ورعته جهات قومية وحكومية. كل ذلك لم يشكل لها دافعاً قوياً لتبني نظمها متوسطة التقنية لتثبت جدواها وتساهم في نشر أفكارها والترويج لها. ما زالت المشروعات الحكومية تنفذ بنفس تلك الطرق النمطية المعهودة. تبني الجهات الحكومية لهذه النظم المستحدثة كان يمكن أن يساعد في انتشارها. إذ أنه ما زال العديد منا يحسن الظن بتلك الجهات الرسمية ويثق في رجاحة عقلها ونبل مقاصدها.

أتيحت لي فرصة مع نهايات القرن الماضي لكي أقدم عملاً في هذا السياق. كلفتني واحدة من منظمات الأمم المتحدة بتصميم مركز لتنمية المجتمع في أم كدادة في شمال دارفور. فقررت أن نستعيض عن الطوب الأحمر الذي يستخدم في مثل هذه الحالات بالمكعبات الترابية المثبتة. إذ ليس من الحكمة أن يتلقى أهل المنطقة دروساً عن أخطار التصحر في فصول أحرقت أشجار الغابات لصناعة الطوب المستخدم في تشييدها. سعدت جداً بأن تلك المكعبات كانت على قدر التحدي. فقد ساهمت بقدر كبير في إنتاج عمارة مشرفة المظهر والمخبر. أسست تقييمي هذا بناءً على ما نمي إلى علمي من إشادات عديدة. علمت أيضاً أن الإعجاب بالمبني دعا بعض الجهات الرسمية لمحاولة التغول عليه وجعله مقراً لها.

آمل في أن يساهم هذا الاستعراض المطول والغزل الصريح في لفت النظر للطاقات المهولة الكامنة في مجال عمارة التراب المحسن. قضيت سنوات طويلة من عمري ولا زلت والحمد لله أستاذاً أدرس العمارة في عدد من الكليات والأقسام. استرعي انتباهي تجاهل العمل الكبير الذي أنجز في هذا المجال. كنت أتوقع أن يتطور الاهتمام به لدرجة تخصيص دراسات او تأسيس أقسام خاصة به. بلد مثل فرنسا وهي في قمة التحضر أنشاءت أكاديمية خاصة معنية بعمارة التراب و منشاءاتها. تقدم في هذا الإطار طيف واسع من خدمات التدريب والدراسة والبحوث. تستهدف قطاعات واسعة تتمدد من شريحة الحرفيين إلى حملة الدكتوراه الذين ينشدون مواصلة بحوثهم في هذا المجال.

البروفيسور مشارك دكتور معماري/ هاشم خليفة محجوب
أمدرمان- أكتوبر 2018


شارك هذا المقال :

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

 
Support : Creating Website | Johny Template | Mas Template
copyright © 2011. سوداكون - All Rights Reserved
Template Created by Creating Website
Proudly powered by Blogger