الرئيسية » » حيدر أحمد علي: مشاغب في فضاءات ما- بعد- الحداثة - بقلم د. هاشم خليفة محجوب

حيدر أحمد علي: مشاغب في فضاءات ما- بعد- الحداثة - بقلم د. هاشم خليفة محجوب

Written By Amged Osman Abdelatif Mohammed on الاثنين، نوفمبر 19، 2018 | 9:36 ص

د. هاشم خليفة محجوب 


تربطني علاقة خاصة وصداقة حميمة مع المعماري المميز حيدر احمد علي امتدت لعقود من الزمان بالرغم من فارق السن إذ أنني أكبر بعشرة أعوام. لم تشوبها منفعة مادية أو عمل متبادل او مشترك. سمحت لي بالتعرف عن قرب على خلفيته وشخصيته وجوانب عديدة مماثلة.  المهم أنها مكنتني من متابعة عدد مقدر من أعماله بشكل لصيق وحرصت على ذلك حتى الآن. لم تمنعني هذه العلاقة الخاصة من إبداء ملاحظاتي وتحفظاتي أحياناً بكل صراحة ووضوح.  تحديداً على تلك الأعمال التي كنت أختلف فيها معه. كان دائماً يتقبلها بروح رياضية مدافعاً عن مواقفه المعمارية بدفوعات رصينة. استفدت هنا من فارق السن والتجربة والمؤهلات العلمية.

تناولي لأعمال حيدر لا يعني أنها بالنسبة لي منزهة من الخطاء أو أنها بلغت درجة الكمال أو اقتربت منه. أكثر ما لفتني إليها واسترعى انتباهي تلك الاختراقات التي يحققها من حين إلى أخر. بالطبع إن من يتنكب مثل هذه الدروب يدخل نفسه دائماً في تحديات غير معروفة العواقب. عليه يجب أن يكون مستعداً لها وحيدر كان دائماً على قدر التحدي. تَفحص تجاربه والتمعن في مردودها يشكل في حد ذاته أمراً بالغ الأهميةً وهذا هو الجانب الذي جعلني دائماً مهتم جداً بمتابعة مسيرته. التعمق فيها يمنحني ومن المفترض أن يمنحكم أيضاً فرصة نادرة في محاولة لقرأة المستقبل. مثل هذه التجربة شبيه بما يفعله العلماء وهم منكبون ليل نهار في مختبراتهم.

التقيت بحيدر أول مرة في بداية السبعينيات عندما التحقت بقسم العمارة بجامعة الخرطوم لترفيع شهادتي. التحقت بالقسم وأنا أحمل دبلوم العمارة نظام الأربعة سنوات من معهد الخرطوم الفني بالإضافة لخبرة أربعة سنوات عمل بوزارة الأشغال. بناءً على مؤهلاتي وخبرتي اعتمدت كطالب ناضج mature student. في تلك الظروف تعرفت اول مرة هناك علي حيدر وكنت أتقدمه بسنتين دراسيتين ونشأت بيننا صداقة وتقارب مميز. تعزز لاحقاً بتزاملنا بعد التخرج عندما ما عملنا معاً في المكاتب الاستشارية. من اهمها فترات قصيرة بمكتب شيخنا عراب عمارة الحداثة السودانية الأستاذ عبد المنعم مصطفي حيث أستوعب فيه في البدء كمتدرب.

افترقنا بعد ذلك إذ أنني غبت عن السودان لعدة سنوات خلال عقد الثمانينيات حملتني للمملكة المتحدة التي أنجزت فيها دراساتي العليا. واصل حيدر خلال تلك الفترة حياته المهنية بعد التخرج متعاوناً في البدء مع بعض المكاتب الاستشارية المهمة. حيث عمل لفترة قصيرة مع أستاذنا عبد المنعم مصطفي تلتها فترة أطول مع الرائد في مجال المكاتب الاستشارية الباشمهندس الأمين مدثر. في نفس تلك الفترة خاض تجربة التدريس فعمل مساعد تدريس بقسم العمارة بمعهد الكليات التكنولوجية. كجزء من تأهيل تلك الشريحة من هيئة التدريس كان من المفترض أن يبتعث لبريطانيا للتحضير للدراسات العليا.

كان وضع حيدر خلال تلك الفترة مريحاً جداً أكاديمياً ومهنياً لكنه من بالرغم من ذلك غادر الموقعين بمحض إرادته. علمت منه أن مغادرته للمجال الأكاديمي بالرغم من إغراءات البعثة الدراسية جاء نتيجة لواقعة محددة. حالة أستاذ معهم عاد من بعثة دراسية امتدت لسنوات طويلة نال فيها الشهادة الكبرى. وجده وهو في عمر متقدم يحاول جاهداً تأسيس مكتب استشاري بالرغم من أن طبيعة العمل فيه بعيدة الصلة عن مجال تخصصه. دفعت تلك الواقعة حيدر لمبارحة المجال الأكاديمي والسعي مباشرة لكي يختط له طريقاً في العمل الاستشاري. واضح من خلال معرفتي اللصيقة به أنه كان قد عقد العزم على تعويض ما سيفتقده من علم مكتسب بابتعاده عن هذا المجال. أعتقد جازماً أنه قد نجح إلى حد كبير في هذا المسعي.

في توقيت متزامن إلى حد ما وفي بداية الثمانينات كرر نفس العملية التي قام بها بمبارحته لقسم العمارة بمعهد الكليات التكنولوجية. أنهي علاقته بمكتب الأمين مدثر الاستشاري بعد فترة أربعة أعوام صادفت عصر المكتب الذهبي. في هذا السياق من المهم تسليط بعض الضوء على هذا المكتب وقد أسعدتني الظروف بالعمل فيه لفترة قصيرة في بداية حياتي العملية. تأسس في الستينيات على أحسن ما يكون وحافظ إلى حد بعيد على مستواه بفضل قائد الفريق وأنجز عدد من المشاريع المهمة. وضع حيدر كان مريحاً في ذلك المكتب أذ لم يكن يمنعه من إنجاز بعض أعماله الخاصة خارج ذلك الإطار.

الظروف العمل في مثل هذه المكاتب ذات التاريخ الحافل بالإنجازات تفرض بالضرورة قيوداً قد لا تكون مرئية أو معلنة. أسس المكتب الباشمهندس الأمين مدثر الذي تخرج ضمن أول دفعة من قسم العمارة بجامعة الخرطوم التي تربت على مفاهيم ونهج عمارة الحداثة. كان المكتب هو أول وواحد من أهم منصات انطلاقة هذا التوجه. سارت مجموعة العمل فيه على هذا الدرب لأكثر من عقدين من الزمان فبلورت طرازها وأسلوبهاً المميز. انخرط حيدر في العمل معهم بالتزام صارم بمؤشرات ومحددات نهج الحداثة. يبدو أن حيدر لم يطق تلك القيود التي تحد من طاقاته الإبداعية فقرر أن يرحل ليواصل مسيرته بشكل مستقل.

تلك العوامل بالإضافة إلى أخريات كانت من أسباب رحيل حيدر من مكتب الأمين مدثر مع بداية عقد الثمانينيات. من المهم وفي هذا السياق أن نلقي بعض الضوء على حالة الساحة المعمارية خلال تلك الحقبة. بدأت أعراض الوهن تدب في أوصال عمارة الحداثة السودانية التي أسسها روادها بقوة في نهاية الستينيات.  هذا الأمر لم يكن بمعزل عما يدور في أرجاء العالم تحديداً الغربي منه الذي بلور هذا التوجه هناك خلال العقود الأولي من القرن. تراجع أسهمه أدي لمراجعات ملموسة أفرزت توجهات ونهج معاكس. يبدو أن حيدر كان ملم بتلك المتغيرات التي قد تكون السبب الذي دفعه للخروج من جلباب أبيه ومغادرة مكتب الأمين مدثر.

لم أبني افتراضاتي هنا على وهم أو خيال أو تحيز لحيدر إنما على معرفة لصيقة به. أشهد أنه واحد من أكثرنا ثقافة وتتبع مستمر لما يحدث في العالم من حولنا. لفت انتباهي بأن مواكبته لا تعتمد فقط على الكتب وإصداراتها الجديدة. إذ أن من أهم مصادره الدوريات، المجلات، التي تلاحق الأحداث والمستجدات بشكل مستمر. في مرحلة متقدمة تمدد عالمه بارتياده لأفاق أرحب عبر التسفار المستمر والمؤتمرات التي ساهم فيها من واقع موقعه في جمعية المعماريين السودانية. بالطبع أن من يستقي معلوماته عبر تلك المصادر المتجددة لا يمكن أن يحبس نفسه ورؤيته في إطار مكتب استشاري يستعصم بمفاهيم جامدة.

عقد الثمانينيات حمل معه ظاهرة تراجع عمارة الحداثة السودانية والتي يمكن ان نردها لعدة أسباب. لعل من أهمها تزايد عدد المعماريين الذين لم يحظوا بنفس مستوي الإعداد الأكاديمي الذي توفر للأجيال السابقة. تمدد أفق المدائن بأعمال مكررة لا طعم لها ولا رائحة. ظاهرة أحس بها الغربيون قبل فترة من الزمان وهم الذين كانوا قد أسسوا خلال العقود الأولي من القرن المنصرم توجه ونهج الحداثة. فاجتهدوا هناك ووجدوا لهم مخرجاً من ذلك المأزق باختراقات فكرية أدت لبلورة توجه جديد. عرف باسم ما- بعد- الحداثة فطرحوه كبديل للتيار السائد الذي بداء يتراجع. انبثقت منه عدة مدارس استهدفت كل واحدة منها وسعت للتعامل مع نقطة ضعف بائنة في مفاهيم ونهج الحداثة.

نحن في السودان نعاني من ظاهرة معينة تعرف باللغة الإنجليزية بال time lag. ترجمتها عدم المواكبة وملاحقة ومتابعة المستجدات في المجال ذو الصلة بأمر معين. هذا ما حدث بالنسبة لعدد مقدر من المعماريين الذين لم يستشعروا عمق الأزمة التي كانت تعاني منها عمارة الحداثة منذ بداية الثمانينيات. لا نستثني من ذلك مجال تعليم العمارة الذي كان من المفترض أن يكون هو راس الرمح في مواجهة مثل هذه الأزمات. الواضح أن سعة إطلاع ومواكبة حيدر المستمرة للمستجدات التي تدور من حولنا كانت له بمثابة (الرادار) فائق الحساسية. فتهيا تماماً للمرحلة القادمة واستعد لها بمكتبه الاستشاري الذي أسسه أول مرة في بداية الثمانينيات في ركن قصي من مركز الخرطوم التجاري.

أسس حيدر مكتبه هناك في بناية كبيرة ضمت بين ضفتيها مكاتب مماثلة لعدد من المعمارين المقاربين له في السن. كانت الأجواء العامة شبابية محفوفة بآمال كبار إذ أن كان السودان واقتصاده في تلك الفترة ما زال بعافيته. فوثقت تلك الخطوة الجسورة للمرحلة الثانية من مسيرته القاصدة. دشنها وهو متحرر تماماً من قيد المكاتب الاستشارية التي بداء حياته العملية بها. متحللاً أيضاً من الانتماء الضيق للمؤسسات الأكاديمية مما مكنه من التحليق بحرية في فضاءات الأفكار الحاضنة لأخر التوجهات المعمارية. انطلق حيدر وسط تلك الأجواء يتحرك في كل الاتجاهات.

أنطلق مهموماً لكآني به قد وضع نصب أعينه بشكل أساسي هدف تجاوز محدودية فهم الحداثة الذي أدخلها في حالة شبيه بالعقم. الواضح إنه تسلح في تحقيق هذا الهدف بثقافة محمولة على أشرعة المواكبة المستمرة. تبينت ذلك من مناقشاتنا المستمرة التي كثيراً ما بهرني بها وأنا زمانئذ عائد لتوي من الغرب الأوربي مشبعاً بأخر أفكاره. كثيراً ما طرحت فكرة فإذا به يعلق عليها معزز لها بأخر ما طرأ في مجالها. التسلح بمثل تلك الأفكار الجديدة الجريئة يمثل فقط نصف المشوار. يبقي الجزء الأصعب الذي يحتاج لجرأة وهو ترجمتها لرؤية معمارية وإنزالها لأرض الواقع لمجتمع تقليدي بطبعه.

عدة مواقف وظواهر كانت السبب في تراجع أسهم عمارة الحداثة النابعة من فكرها المتمرس خلف مفاهيم جامدة لا تقبل الجدل. من أهمها الموقف السلبي المعادي للتاريخ والماضي وكل ما ارتبط به. جعلت تلك الخطوة أمر نقل أو استلهام العمارة التاريخية والتراثية من المحظورات. امتد الحظر ليشمل السمات الزخرفية التي أعتبر إستلافها جريمة نكراء وأطلق أحد منظريها مقولة باللغة الإنجليزية قال فيها ornament is a crime. من الظواهر التي ادت لتراجع أسهم عمارة الحداثة الناتج عن ضوابطها الصارمة هي الرتابة والتكرارية. من أهم ما كان يؤخذ عليها في هذا السياق أنها سلبت العمارة من روح الدهشة التي كانت تمنحها حيوية محببة.

استغل توجه ما بعد- الحداثة نقاط ضعف فكر عمارة الحداثة فصارت بالنسبة له محاور اختراق. تأسست عليها عدة مدارس استهدفت كل واحدة منها واحد من سلبياته المتعددة. حيدر أحمد علي كان في قلب الحدث والواضح أن حسن اطلاعه ومواكبته جعلته في الصورة منذ زمان باكر. سأحاول هنا أن أستكشف هذا الأمر من واقع العديد من أعماله. تقديري العالي له في هذا السياق نابع من أن انضوائه تحت لواء التوجه الجديد كان بفكر منفتح. بمعني أنه لم يحبس نفسه في إطار مدرسة واحدة من مدارسه المتعددة. أستهدي بفكره بذهن مفتوح وبمرونة عالية متعاملاً مع كل حالة حسب معطياتها. هذا النهج منح عمارته تنوع بائن محسوب بعناية فائقة.

عدت للسودان في نهاية الثمانينيات بعد عدة سنوات بعد إكمال دراساتي العليا والحصول على درجة الدكتوراه. كانت بالنسبة لي فترة مثمرة للغاية فتحت ذهني علي أفاق مهمة شكلت بالنسبة لي جوهر مفهوم العمارة. حملت مفاهيمي الجديدة وعدت إلى الوطن وكلي شوق لاستكشاف اخر المستجدات بالرغم من متابعتي لها في زياراتي المتلاحقة إثناء فترة غيابي. كان أول من قابلتهم في هذا السياق حيدر أحمد علي وكنت حريص على التعرف على آخر أعماله. فأصحبني في تطواف عرفني من خلاله على بعض منها فلمست فيها أفكار جديدة فيها مؤشرات لمنعطف مهم. مخرجات إبداعية قيمة بررت لي أسباب مبارحته لذلك المكتب الاستشاري المرموق وتلمسه لمسار مستقل قبل وقت مبكر.

استمرت علاقتي اللصيقة بحيدر منذ تلك الفترة وامتدت ونحن في نهاية العقد الثاني من الألفية الثالثة لثلاثة عقود من الزمان. لم تكن بالنسبة لي حالة استثنائية إذ سبقتها حالات أخري جمعتني قبل ذلك برموز العمارة السودانية. من أمثال عراب عمارة الحداثة السودانية عبد المنعم مصطفي والاساتذة محمد حمدي وكمال عباس. قربي من حيدر عرفني به أكثر وكنت قد لمست فيه منذ البداية شغف خاص بمتابعة أخر مستجدات العمارة على المستوي العالمي. تطورات أخري ومستجدات مهمة أخري في مسيرته المهنية كان لها مردود ملموس في هذا السياق.

أعني هنا انغماس حيدر في العمل التنظيمي المهني علي أعلي مستوياته. الإشارة لمشاركاته الفاعلة بشكل تصاعدي في جمعيات واتحادات المعماريين على المستوي الوطني والأفريقي ثم العالمي.  مساهماته الكثيفة في فعالياتها جعلته دائماً في قلب الحدث مما انعكس بشكل إيجابي علي وعيه الفكري. هو في نظري جانب مهم للغاية تميز به على العديد من أقرانه وأنداده وبعض اساتذته. لاحظت أن العديد منا بما في ذلك بعض الرموز من المعماريين يعيشون في عزلة عما يدور حولهم في العالم. هذه الظاهرة قد تفسر بعض حالات التكلس المعماري المنتشرة هنا وهناك. التي للأسف الشديد تظهر أعراضها بوضوح في أعمال معمارية لمباني يفترض أنها في غاية الأهمية ومفتاحية.

آن الأوان لكي نوضح وندلل على ما سطرناه هنا عن تميز مسيرة حيدر أحمد علي بالإشارة لجوانب محددة بطريقة ما يعرف بالبيان بالعمل. لن نركز على أعمال أو مباني بعينها لأنني أرغب في أن يتم الطرح على أساس مفاهيمي. عبر طروحات مدارس توجه ما بعد- الحداثة التي اعتقد أنه قد أستهدي بها. عليه يستلزم الأمر أن نبدأ ببعض الشروحات لكي نمهد الطريق لتحقيق هذا الهدف. سنعتمد على بعض المصطلحات التي أتي بها الناقد الأكثر شهرة شارلز جينكز Charles Jencks أحسن من وثق لمدارس ما- بعد- الحداثة. هو الذي منحها اسم Postmodern architecture. سنركز هنا بالتحديد عل ثلاثة مدارس منها.

واحدة من أهم مدارس توجه ما- بعد- الحداثة هي الكلاسيكية الراجعة وتسمى باللغة الإنجليزية neoclassical school. فلنسمها لتبسيط الأمور التاريخية الراجعة. نشأت في الغرب الأوربي كردة فعل لموقف نهج الحداثة وعدائه السافر للإرث والعمارة الكلاسيكية. فكرة المدرسة تقوم أساساً على ارتكازها على ذلك الإرث بشكل ونهج إبداعي. نضع هنا ألف خط تحت كلمة ارتكاز لأن المدرسة أسست على أسلوب معماري ينأى بنفسه تماماً عن النقل الحرفي. يعتمد على الاستلهام وإن تساهل بعض الشي يسمح بالنقل بتصرف قوامه الإبداع. الواضح أن فكر وفكرة هذه المدرسة صادفت هوي في نفس حيدر. فجسده في أكثر من عمل بدرجة عالية من التوفيق أحيناً.

مما لا شك فيه أن إرث عمارة الحضارات الضاربة في القدم يُكون جزءً أصيلاً من ذاكرة أي معماري استوعب ما درسه بدرجة معقولة. صورته المحمولة على أشرعة الحجر الطبيعي راسخة لحد معقول في الذهن العديد منا. نجح حيدر في استعادة تلك الأخيلة وترجمها بشكل مبتكر في واحد من أميز أعماله المعمارية. مبني مكتبه الاستشاري بشارع الشريف الهندي بحي الخرطوم شرق. مشيد أو مكتس بكامله بالحجر الرملي الذي منحه نفساً تاريخيا أو كلاسيكياً بائناً. لم يراهن هنا على النقل الحرفي من تلك الطرازات القديمة الفخمة. أكتفي ببعض إيماءات مثل ذلك العقد أو الآرش الذي يتوج المدخل الصغير في الجانب الغربي من الواجهة. من خلال هذا العمل دون حيدر اسمه كواحد من منتسبي مدرسة الكلاسيكية الراجعة.

لم يكتف حيدر بذلك العمل المميز إذ غازل الكلاسيكية مرة أخري من طرف خفي. استثمر في هذه المرة في مرحلة كلاسيكية تعود بنا لقرن من الزمان لكنها تشكل جانب مهم من جوانب تراثنا المعماري. عاد بنا لأيام أمجاد عمارة فترة الحكم الثنائي الذي جسم على صدرنا خلال النصف الأول من القرن العشرين. بالرغم من مرارات ارتبطت بتجربة الاحتلال إلا أنها خلفت ورائها إرثاً لا يستهان به من عمارة الطوب الأحمر كلاسيكية السمت. زين العديد من جنبات العاصمة الخرطوم وكان لجامعتها التي كانت آوانئذ كلية غردون التذكارية نصيب الأسد منه. كانت من أميز ملامحه العقدات، الآرشات، المسننة الناهضة في خيلاء على صفحة واجهات المباني الطوبية بديعة التصميم. 

منظر تلك العقدات المسننة رسخ في مخيلة العديد منا بالذات خريجي وطلاب جامعة الخرطوم. شرائح أخري عديدة اكتحلت أعينها بشكلها المميز عبر شتي الوسائط. حملت ملامحها الأجيال الحديثة فضمنوها في تصميم بوابة الجامعة الرئيسة المطلة على شارع الجامعة التي شيدت قبل عدة سنوات. رابطة خريجي قسم العمارة من نفس الجامعة زينوا بها شعار رابطتهم. حمله أجيال الخريجين في وجدانهم كما حمل السيد المسيح الصليب في تراث الديانة المسيحية.  حيدر كان واحد منهم وعبر عن عواطفه الدفينة الدافئة نحو العقد الطوبي المسنن بشكل عملي في أكثر من مبني ومناسبة.

لم يتخلف عن الركب ومعروف عنه عشقه الفاضح وعظيم احتفائه بطوب السدابة الذي اجتهد لكي يجعله يسترد موقعه المرموق كما سنوضح لاحقاً. في هذا الإطار سعي لكي يفجر طاقاته الكلاسيكية. فنقب في نواحي تراث عمارة السدابة الذي أهدانا له الشريك البريطاني في نظام الحكم الثنائي. انتقى واحداً من أميز مكوناته وهي العقدات المسننة التي جعلوها واجهة لأعمالهم المميزة. استثمر فيها حيدر وجربها في البدء في مباني مدرسة الاتحاد، اليونتي، المطلة على شارع السيد عبد الرحمن. زين بها واجهة رواقات تطوق فناء داخلي. كانت أول ظهور له بصحبة هذه المكونات الكلاسيكية.

ظهورالعقدات الطوبية المسننة العلني المؤثر كان في مباني جامعة الأحفاد في العرضة بأمدرمان علي شكل بوابة عملاقة لمدرسة أو كلية علم النفس. ركب سلسلة متتابعة منها محمولة على أجنحة السدابة ينهض الواحد منها بارتفاع طابقين. شكلها مختلف تماماً عن النظام المعهود. ينهض الواحد منها كل ذلك الارتفاع بشكل متصل بدون فاصل بين الطابقين. الجديد في الأمر أن هذه الواجهة لا تخفي خلفها جزء من كبير ومهم من مباني الكلية إذ السلالم المفتوحة. مما يجعل سلسلة العقدات أشبه بالواجهة الزائفة. صنع منها في النهاية بوابة عملاقة مهيبة. عبر من خلالها حيدر فحجز له مكاناً مميزاً في فضاء مدرسة الكلاسيكية الراجعة.

من أهم المدارس التي اهتدى حيدر بمفاهيمها مدرسة التراثية او بشكل أدق المحلية الراجعة. كلمة محلية المقصود منها أنها تمثل ظاهرة محدودة الانتشار جغرافياً كآن تكون مرتبطة مثلاً بمدينة معينة أو جزءً منها في زمان محدد. الراجعة تعني هنا أنها اختفت ثم رجعت مرة أخرة في صورة من الصور في زمان لاحق. يشار إليها باللغة الإنجليزية neo-vernacular school. تختلف عن الكلاسيكية الراجعة في بعدين مهمين التاريخ والجغرافيا. فالكلاسيكية الراجعة زمانها ضارب في عمق التاريخ. جغرافياً تتمدد في رقعة واسعة لتشمل بلدان كثيرة وأحياناً أكثر من قارة. سيتجلى لنا معني المحلية الراجعة عندا نستعرض بعض أعمال حيدر في إطار مسيرته المعمارية.

من أهم إنجازات الشريك البريطاني خلال فترة الحكم الثنائي للسودان خلال النصف الأول من القرن العشرين تبنيه للطوب الأحمر كمادة بناء أساسية. طور في هذا الإطار نوعية ممتازة عرفت باسم طوب الواجهات ويشار إليها بالسدابة. روج لها بقوة من خلال أعمال معمارية رائعة كلاسيكية الطراز سطعت في نواحي من عاصمته الخرطوم. ارتباط البريطانيين التاريخي والعاطفي بهذه الخامة البنائية كان دافعاً قوياً لهم للمحافظة على مكانتها بعد خروجهم من البلاد بعد الاستقلال.

تبنته لاحقاً نخبة من الأساتذة البريطانيين الذين أسسوا قسم العمارة بجامعة الخرطوم كأول واحد من نوعه. وظفوا طوب السدابة في نهائيات الخمسينيات للترويج لمنعطف جديد في المسيرة المعمارية يشار إليه بعمارة الحداثة. التقط القفاز منهم نخبة من خريجي القسم النجباء الذين عملوا معهم في شراكة ذكية. فصاغوا منه أروع الأعمال الحداثية التي طرزت مواقع جامعة الخرطوم في العاصمة المثلثة. انتشار الخريجين في شتي مواقع العمل بث معهم الرسالة على نطاق أوسع. فتجلت تفصح عن جانب يعبر عن وجه السودان المشرق الحديث بعد أن نالت البلاد استقلالها.

تسيدت عمارة السدابة الموقف تماماً خلال عقدي الستينيات والسبيعينات. حملها علي أكف الراح نخبة من أميز المعماريين على رأسهم عرابها الأستاذ عبد المنعم مصطفي وصنوه كمال عباس. قدموها في أبهي صورة فارتفعت أسهمها مما ساعد كثيراً في تسويقها. انتهز كبار المعماريين فرصة زيادة الطلب عليها من طبقة الصفوة وأثرياء المدينة فأضفوا عليها ألقاً بائناً. فصارت بحق من مؤشرات الأبهة أو (البريستيج) كما يشار إليها باللغة الإنجليزية. كانت فترة هذين العقدين العصر الذهبي لعمارة السدابة.

لكن كما يقال في بعض الحالات دوام الحال من المحال. مع قدوم الثمانينات ونتيجة لعدة أسباب بدا نجم عمارة السدابة في الأفول في نسق مضطرد. تزامن ذلك مع تراجع عام لمستوي العمارة. في نفس الوقت زاحمت السدابة نوعيات أخري مثل الطوب الآلي الذي يعرف باسم طوب السكة حديد والطوب الإسمنتي. تبدلت الأمور إلى الأسواء بالنسبة للطوب عموماً مع ظهور بدائل جذابة للتشطيبات الخارجية. فانكمشت مساحات السدابة وكادت تتلاشى. بداء معها ذلك الحلم الجميل في التلاشي مع العديد من مظاهر الزمن الجميل الذي لا زالت ملامحه تزين ذاكرة بعض الأجيال.

عاش حيدر أحمد علي الق تلك التجربة الزاهية من مراحل عمارة الحداثة المحمولة على أجنحة السدابة في عصرها الذهبي بكل إحساسه. كان في قلب الحدث وهو بعد في معية الصبي المعماري بحكم عمله في مكاتب صناع ذلك المجد الأساتذة الأجلاء الأمين مدثر وعبد المنعم مصطفي. فاختزن ذكرياتها العظيمة المضمخة بتلك الخامة النبيلة في وجدانه. ففجرها لاحقاً في بعض أعماله المميزة في التسعينيات وبداية الألفية الثالثة. في خطوات جريئة للغاية أثبت أعلي درجات الوفاء وحاول استعادة بعض الق تلك العمارة المجيدة. مضي في ذلك الدرب غير عابئ بما يتطلبه من جهد جهيد وتكلفة عالية.

بعض أعماله المميزة في هذا السياق فيلا الوجيه عبد الوهاب المقلي بشارع 17 بحي العمارات بالخرطوم. خطي فيها خطوة غير مسبوقة عبر فيها عن ولهه المفرط بطوب السدابة. إحساسه العالي وعينه الفاحصة لم تكن راضية عن المنتج المحلي فجلب الطوب من أقاصي أركان الدنيا من جنوب أفريقيا. استخدمه بكثافة في مبني الفيلا فكساها تماماً وتسلل داخلها. فأضفي عليها أجواء مشبعة بالحميمية المقترنة بإحساس الحنين للماضي (النوستالجيا). أنتج عملاً مشرفاً من خامة نبيلة قوامها التراب. ليست لي معرفة كافية بصاحب الفيلا وخلفياته. لكن قياساً بما قام به حيدر من مجهود جبار وعمل متفرد أحسب أن العمارة هنا بكل تفاصيلها صادفت هوي في نفسه.

في موقع أخر ليس ببعيد عن تلك الفيلا في حي العمارات فجر حيدر مفاجأة أخري محمولة على طوب السدابة. الإشارة هنا لفرع البنك السعودي السوداني المشيد بموقع مميز عند تقاطع شارع الملك سعود مع شارع 21 مطل على ساحة. سطعت السدابة هنا على كافة أرجاء البنك ولم يسلم منها مبنى الصراف الآلي الصغير الرابض في الواجهة في ركن الموقع. الجديد في هذه الحالة أن السدابة تسربت إلي داخل المبني وغطت أجزاء وصالات البنك الداخلية. نحن هنا أمام حالة تشير إلى أن تقدير ووفاء حيدر للسدابة تجاوز حدود الفيلات والبيوت. ثقته العالية فيه جعلته يقتحم به أفاق المباني المهمة سامية المقام.

محاولات حيدر لتوظيف طوب السدابة بغرض استدعاء صور بيوت وفلل الزمن الجميل تضعه في إطار مفاهيم مدرسة المحلية الراجعة. خطي خطوة أخري في نفس ذلك الاتجاه لكن هذه المرة موظفاً جانباً أخر غير الخامة البنائية. ركز أيضاً هذه المرة على العمارة السكنية. في إطارها حاول لأن يسترد مكوناً كان أساسياٌ في بيوتنا في زمان مضي. لكنه مع مرور الزمن بداء يتلاشى والإشارة هنا للرواق أو البرندة. حاول حيدر أن يستردها في حالات محدودة العدد. ذكر لي منها بالتحديد منزل شلقامي في الطرف الجنوبي الشرقي من حي الخرطوم إثنين. قيمة مثل هذه المكونات تكمن في الأجواء الحميمة التي ارتبطت بها. استرجاعها هنا فيه محاولة لأنسنة عمارة الحداثة الباردة. توجه حيدر في هذه الحالة يعزز من انتمائه لمدرسة المحلية الراجعة.

كما ذكرت من قبل إن واحداً من أهم المآخذ علي عمارة الحداثة التي أفقدتها الكثير من أراضيها التكرارية المملة. سلبت منها عامل التشويق والدهشة الذي خصمت الكثير من حيويتها. هذا الجانب شكل واحداً من الهموم المشتركة لمن أسسوا لتوجه ما- بعد- الحداثة الذي كان واحد من أهم أهدافه المستبطنة تجاوز مثل هذه السلبيات. استهدفته أكثر من مدرسة أطلقت عليها أسماء من عندي لا تقل طرافة. سارت في هذا الاتجاه لحد التطرف. بعضها يمكن أن نسميه مدرسة الطرفة وأخرى اشتطت في مسعاها بحيث يمكن أن نطلق عليها مدرسة المزحة من المزاح.

لم يتخلف حيدر عن الركب إذ سلك نفس هذا الدرب الذي يسعي لتجاوز واحدة من سلبيات عمارة الحداثة. لكنه تعامل مع الأمر هنا بقدر معقول من التعقل والرزانة. يبدو أنه وخوفاً من عدم تقبل مثل هذه الأفكار الجريئة فضل أن يطبقها في مبني خاص به. فاختار لها مبني مكتبه الاستشاري وهو قرار في منتهي الحكمة. فيه ترويج له ولمكتبه من خلال طرح توجهاته الجريئة رافعاً راية البيان بالعمل. ففجرها مفاجأة داويه في قلب الخرطوم في حي الخرطوم شرق في موقع على شارع الشريف يوسف الهندي علي مرمي حجر من شارع المك نمر. حالة استثنائية جديرة بالانتباه والاهتمام بغض النظر عن اتفاقنا أو اختلافنا مع توجهاته.

أشرت لهذه الحالة من قبل في أكثر من مناسبة واستعرضت في كل مرة بعض جوانبها بشئي من التفصيل. العودة إليها لها هنا نابعة من أنها تجسد حالة هدفت لتجاوز واحد من أهم سلبيات عمارة الحداثة التي اتسمت بالتكرارية والبرود. سعي حيدر لضخ زخم من الحيوية عبر بضع مفاجات. الأولي كانت في تصميم ومعالجة واجهة المبنى. تتسم بشكل عام بروح كلاسيكية محمولة على أكف خامة الحجر الرملي بالإضافة لمكونات ومفردات في نفس السياق. المفاجأة هنا هي إقحام عنصر يشذ عن هذه المنظومة المتناسقة. يبرز على الجانب الغربي من الواجهة بمقدار متر مكعب مشيد بكامله بمكعبات زجاجية ملتمعة. عنصر صادم مدهش في إطار معالجة تسير في اتساق سلسل متجانس فتضع هذا العمل في إطار مدرسة عمارة الدهشة.

الدهشة الكبرى في هذا العمل المتفرد تكتمل فصولها بالولوج داخل المبني. مفاجأة داوية تنتظركم بالداخل، عالم مختلف تماماً عن حالة الواجهة الموشحة بالحجر الرملي و المضمخة بالأحاسيس الكلاسيكية. من هذا المنطلق المنظر بالداخل صادم بحق من أول وهلة. مسطحات متصادمة ملتمعة من المعدن والزجاج. تتقاطع معها أطوال من الأنابيب المعدنية تتحرك في كل الاتجاهات. الدرج المعدني المفتوح المشرئب للطابق الأعلى يخترق الفضاء بزاويا حادة. حشد حيدر في العمارة الداخلية كل عناصر الدهشة التي ترتقي لدرجة الصدمة. جسد فكرة الحديث داخل الكلاسيكي التي طالما إفتُتن بها. فوضع نفسه من خلال هذا العمل بجدارة في إطار مدرسة الدهشة.

هناك ظاهرة أخري جديرة بالاهتمام في مسيرة حيدر خارج إطار مدارس ما- بعد- الحداثة التي أشرنا إليها هنا. تمثل في الواقع مرحلة متأخرة من نهج الحداثة التي أنشي التوجه الجديد لينسخه. جل المباني التي تمثل هذه الظاهرة سكنية وتحديداً فيلات. تجمع بينها سمات مشتركة واضحة. جاءت كلها أو في مجملها عمارة بيضاء. تميزت ببساطة بائنة فأشكال مكوناتها الرئيسة تتميز بالبساطة وأفلاطونية الهوى. أي أنها لا تخرج من الأشكال الأساسية، في هذا الإطار وبالضرورة دائماً هناك شكل أسطواني. تلك الأشكال الأساسية واللون الأبيض وسمت العمارة بدرجة نقاء وصفاء عالي. المدهش هنا أنها منحتها نفساً كلاسيكياً بدون ما نقل حرفي.

كثيراً ما حملتنا الحوارات مع حيدر وتوقفنا عند ظاهرة هذه العمارة البيضاء. وصفها مرة بأنها تحمل ملامح عمارة البحر الأبيض المتوسط Mediterranean architecture. أخر مرة تطرقنا لها أشار إلى أنها تصنف في إطار توجه ال minimalism. مصطلح يعني باللغة العربية خير الحديث ما قل ودل. بلوره في مرحلة متقدمة من زمان الحداثة أحد عرابيها وهو ميز فان دا رووه Mies van da Rohe. تبناه حيدر خلال فترة الثمانينات والتسعينات فصاغ منه عمارة فيلات فائقة النقاء مفرطة الأناقة. لاقت رواجاً بائناً وأفتتن بها علي وجه الخصوص الدبلوماسيون الغربيون فصارت الخيار المفضل لسكنهم. نجدها موزعة في أرجاء العاصمة المثلثة وجلها في الخرطوم.


من النماذج المعبرة فيلا الوجيه بشري بحي الصبابي شمال الجزء المقابل لحي الشعبية بالخرطوم بحري. تضاف إليها فيلا محمود عبد الرحيم بحي الخرطوم واحد المنطقة الواقعة خلف السفارة الهندية. 

تأتي فيلا المهندس علي محمد دفع الله بمربع تسعة بحي العمارات أيضاً في نفس هذا السياق. المحير أن هذه الظاهرة انحسرت إلى حد بعيد مع بداية الألفية الثالثة وهو أمر يستوجب التقصي. أعتقد أن البحث المعمق في مثل هذه المسائل والمتغيرات أمر في غاية الأهمية. لأننا ستكشف أن له أبعاداً ثقافية ومجتمعية وأحيناً هندسية مهمة. التغذية الراجعة من حيدر يمكن يكون لها مردود مفيد. كثيراً ما أشير إلى أن بعضاً مما يرد في مقالاتي يمكن يفتح أفاق بحوث مستقبلية مثمرة.





قدم حيدر عملاً أخر مميزاً من العمارة البيضاء في نفس الإطار السكني كسر فيه قواعد عمارة الحداثة المقدسة. تحديداً أمر الالتزام بالخطوط المستقيمة والزوايا القائمة والأشكال المكعبة. بالرغم من أن المبني هو عمارة سكنية متعددة الطوابق وبها عدد من الشقق لكن تصميمها جاء مغايراً للأنماط السائدة. صاحبها الباشمهندس علي محمد عبد الله الذي صمم له حيدر واحد من فيلاته البيضاء في القطعة المجاورة التي أشرنا إليها من قبل. خصصها لسكن أبنائه المتزوجين فجاء التصميم ينضح بالروح الشبابية. فالكتل تتثني وتتحنى بانسيابية وترفرف في الفضاء بحرية. شكلها العام جعل فيلا الباشمهندس في الموقع المجاور ذات الملامح المشابه تبدو لكآنها قد افلتت من أسار العمارة واستقرت هناك. حيدر نفسه يبدو أنه يعشق أحيناً الإفلات من إسار قواعد الحداثة الصارمة والتحليق بعيداً عنها.

واضح من سياق التطواف في مسيرة حيدر أنه لم يكن راضي تماماً عن ما آل إليه حال عمارة الحداثة التي تنكبنا دربها منذ نهاية الستينيات. موقفه هنا كان متسقاً مع راي عام متصاعد في الغرب الأوربي شكل جبهة عريضة مناوئة لفكر ونهج هذا التوجه. في بحثه الدؤوب لتجاوز سلبياته طرق حيدر كل الأبواب وجرب عدد من الحيل. لأن السلبيات نفسها متنوعة في طبيعتها كان من البديهي تختلف نوعية تلك الحيل. في هذا الإطار سار حيدر في دروب توجه ما- بعد- الحداثة العالمي الي تَشكل لمعالجة انتكاسات الحداثة. في نفس هذا الإطار جاءت الحيل التي استخدمها حيدر متوافقة مع المدارس التي نشأت في كنف التوجه الحديث.

اختياري لهذا الموضوع لم ينشا من فراغ لأن العديد منا يستشعر بعض إخفاقات عمارة الحداثة. التي تستدعي التوقف عندها وتلمس السبل لتجاوزها. في هذا السياق تصبح تجربة حيدر الممتدة عبر سنوات عديدة جديرة بالاهتمام والانتباه. استعراضنا لبعض نماذجها لا يعني بأي حال من الأحوال أنها منزهة من الخطأ. أنا شخصياً عندي بضع تحفظات على جوانب بعضاً منها. على العموم أعتقد أنه قدم من خلالها إنجاز مقدر. يحسب له في هذا السياق أنه لفت انتباهنا لنهج عدد من مدارس توجه ما- بعد- الحداثة.



البروفيسور مشارك دكتور معماري/ هاشم خليفة محجوب

أمدرمان- نوفمبر 2018

جزء من كتاب من تأليف الدكتور هاشم خليفة سيصدر قريباً بعنوان (العمارة السودانية: مواقف ومشاهد)


شارك هذا المقال :

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

 
Support : Creating Website | Johny Template | Mas Template
copyright © 2011. سوداكون - All Rights Reserved
Template Created by Creating Website
Proudly powered by Blogger