الرئيسية » » المنسي: مشروع الزيداب (الحلقة الثانية) ..... تحقيق وتصوير: عباس عزت

المنسي: مشروع الزيداب (الحلقة الثانية) ..... تحقيق وتصوير: عباس عزت

Written By Amged Osman Abdelatif Mohammed on الخميس، يناير 15، 2015 | 11:30 ص

تحقيق وتصوير: عباس عزت

المنسي .. سلسلة تحقيقات أكشف لكم فيها سوداناً آخر غير الذي ترونه في الإعلام وتسمعون عنه في الأخبار .. السودان المنسي الذى يختفى فى ظلام الإعلام، يكابد مرارة الحال وشظف الواقع.. رحلة ما منظور مثيلا.. مشاهد ولا فى الأفلام.. صورتها لكم بقلمى والكاميرا التى لا تنفصل مني .. قبل قراءة التحقيق، أرجوكم تأكدوا من وجود صندوق مناديل الورق بجواركم لمسح الدموع .. دموع الحسرة على وطن يقتله الشقاء، والنعيم على ظهره محمول ..

مشروع الزيداب!!
هذه المرة من أول مشروع زراعي مروي بالقارة الافريقية ..إنه مشروع الزيداب المنسيّ .. حكاية تكشف إلى أي مدى نحن شعب يرقد فوق تلال من الذهب الخالص ولكن ( كالعيس في الصحراء ..يقتلها الظأم والماء فوق ظهورها محمول..)

في الطريق إلى الزيداب!!
في الحلقة الماضية سردت عليكم قصتي من الخرطوم حتى وصولي في طريق التحدي إلى البر الشرقي قبالة الزيداب.. حيث ركبت في (بكسي) محمل بالبضائع لمسافة خمسة كيلومترات .. إلى موقع (المشرع) حيث عبرت باستخدام مركب صغير بدلاً من انتظار (البنطون) الذي يستغرق زمناً أطول.. وأخيراً وصلت الزيداب محملاً بالتراب والغبار الذي سكبه على ملابسي وجسمي الطريق الوعر الترابي ..

حسرة على الماضي!!
خلال جلستي في قهوة الحاجة (جابر بت عباس) وهذا هو اسمها وليس فيه خطأ مطبعي.. التقيت ببعض المواطنين..قال لي المواطن الرشيد الطيب وهو من أبناء الزيداب : إن المدينة تشهد تراكماً في النفايات، تسرب مياه ترعة مشروع الزيداب الرئيسية بات واضحاً في أغلب الشوارع، نسبة لعدم حفرها وتطهيرها بالطريقة الصحيحة، وشكا من تردي الخدمات فى المدينة، إهمال مع سبق الإصرار والترصد وقلة كوادر البلدية وعدم اكتراث المحلية للواقع الخدمي. وتحسر على الزمن الجميللمشروع الزيداب الزراعي عندما كان بكامل عافيته.. أيام زراعة القطن واشتغال المحلج بنظام الورديات، والأعداد الكبيرة من العمال التي كان يستقطبها المحلج، والتى كانت تحرك عجلة سوق المدينة ..

الآن تفشت العطالة بعد توقف المشروع عن زراعة القطن ، وتوقف المحلج عن العمل، وختم حديثه قائلا: (البلد انتهت من يوم خروج الإنجليز، وأصبحت الترعة (نازّة) والكراكة واحدة والطريق من البنطون إلى المدينة سيئ جداً، ويلزمك أخذ ملابس احتياطية عند ركوبك أحد البكاسي العاملة فى هذا الطريق، حتى تبدل ملابسك عند نهاية الرحلة..

كيف بدأ مشروع الزيداب..!!
مشروع الزيداب هبة المستعمر البريطاني.. الذي أسسه في العام 1905 بعد سبعة أعوام فقط من دخول جيوش المستعمر إلى العاصمة أمدرمان ووصل السودان تحت الحكم الثنائي البريطاني المصري.

كان أول مشروع زراعي مروي في السودان .. فهو فعلاً (شيخ المشاريع الزراعية). خصص المشروع لزراعة القطن وكان انتاجه وفيراً يذهب للصادر مباشرة.. ويتميز بجودة عالية وقربه من ميناء التصدير.

جولة بالدراجة النارية!!
أخيراً حضر دليلي ومرشدي الأستاذ/عطا محجوب، ليأخذني في جولة على مدينة الزيداب على متن دراجته النارية ..ودّعت جلسائي في قهوة (بت عباس) على أمل اللقاء قريباً على صفحات التيار،إن شاء الله..وفى بالي المفارقة التي يتندر بها زبائن حاجة جابر بت عباس، وهى: (إن منطقة الزيداب،ظلت ترزح منذ زمن الاستقلال تحت وطأة الحرمان وإهمال الحكومات الوطنية المتعاقبة)..

قفزت على المقعد الخلفى للدراجة النارية التى طافت بي أرجاء مشروع الزيداب الزراعي..تحركت مع دليلى عبر طريق ترابيّ ضيق، بالكاد يسع عربة ودراجة ،وهو الطريق الوحيد الذى يربط قلب المدينة وأطرافها مع (المشرع)، الذي يعتبر بوابة الدخول الرئيسة للمدينة..

البداية من البيارة..!!
بداية الجولة كانت من بيارة المشروع.. مشروع الزيداب الزراعي الذى أسسه الانجليز فى العام 1905، كأول مشروع زراعي مرويٍّ في قارة أفريقيا ، وكان مزارعوه أول من تعلم زراعة القطن، وعلموه لمزارعي مشروع الجزيرة..وكان ملحقاً به محلج يشتغل على مدار أربع وعشرين ساعة بنظام الورديات.. وكان أول مشروع زراعي يدرّ عملة صعبة للسودان عندما كان تحت إدارة الشركة الإنجليزية السودانية.. وعند دخولى بيارة المشروع، تأكدت تماماً من أن المشروع يعاني سكرات الموت.. بعد أن أجهز عليه الإهمال المتطاول وظل في طيات النسيان..

دخلت من البوابة الرئيسية التي كانت مفتوحة على مصرعيها .. سرت وسط عدد من الآليات المنتشرة بصورة عشوائية داخل فناء البيارة، والتى بدت كأنها بقايا معركة حربية..وقفت على واقع البيارة وشاهدت أجزاء (طلبماتها)المبعثرة أمام المبنى التاريخى بإطلالته الخجولة على مجرى القناة الرئيسية التي احتلها الطمي فى ظل غياب الآليات التي بوسعها إزالة الإطماء المتراكم فى جوف الترعة والقنوات الفرعية منذ زمن بعيد..تقدمت صوب المبنى الذى يضم الطلمبات .. وجدت مهندسين يعملان بهمة فى إصلاح إحدى الطلمبات الخمس التي تعطلت قبل أسبوع ، كما علمت من أحدهم ،والذي أخبرني بأنهم قاموا بتفكيك طلمبتين من الطلمبات القديمة والتي أكملت عامها الثمانين فى خدمة المشروع ،وبعثرة أجزائها حتى يتمكنوا من تجميع طلمبة واحدة كحل إسعافيّ للمشروع، ثم أردف قائلا:هل تعلم أن هذه الطلمبات مضى عليها أكثر من ثمانين عاماً فى خدمة المشروع ونحن نعتمد عليها لأننا امتلكنا الخبرة الكافية فى صيانتها والسيطرة عليها، بعكس الطلمبات الجديدة التيأحضرتها شركة (زادنا ) مؤخراً، واتضح أنها غير ملائمة للعمل فى هذا المشروع لصغر حجمها وهى معطلة الآن وعددها ثلاثة طلمبات.. وختم قائلاً: المشروع الآن بحاجة لزيادة الطلمبات، نسبة لزيادة الرقعة الزراعية والبستنة ، والزراعة الآن تتم طوال العام ، وفي الماضي كانت تعمل بنظام الدورات الزراعية..

أول محلج في السودان!!
توجهت ومرافقى لزيارة المحلج، والذى أنشئكأول محلج للقطن في إطار مشروع الزيداب الزراعي الذي ارتكز على زراعة القطن،و ظل لعقود طويلة يمتاز عن غيره من أقطان العالم بالجودة والمتانة، حتى جاء الاستقلال وصنوه الإهمال.. فتوقف عمل المحلج وترك فريسة ومأوى للكلاب الضالة والثعابين، رغم أن المبنى لايزال يتمتع فى مجمله بالروعة، وإن كان به بعض التشوهات وتحيط به مباني الإدارة والحي السكنيّ الذى يضم مكتباً للبريد ونادياً اجتماعياً ومساكن كبار الموظفين التى بدت شاحبة تحت وطأة الإهمال ..

تجولت بمنطقة محلج القطن الأثري والذي صمم على الطراز المعماري الفريد التى أنشئت به مبانى المشروع من بيارة ومكاتب الإدارة ومساكن كبار الموظفين والعمال، حيث يقع على بعد 500 متر فقط من البيارة، على مساحة كبيرة من الأرض .. حاولنا الدخول ولكن أشجار المسكيت الكثيفة والأقفال الصدئة على الأبواب العملاقة حالت دون دخولنا، كآبة المنظر وطول الهجر والإهمال.. قال لى مرافقى (عطا محجوب): كنّا نأتى فى طفولتنا ونشاهد العمل والعمال داخل المحلج الذي كان يضم ورشاً خاصة بتصنيع اسبيرات المحلج، وكان هناك قطار مخصص لنقل بالات القطن من خلال قضبان سكك حديدية خاصة بالمحلج، مما يدل على المساحة الشاسعة التى يشغلها المحلج ، وأضاف: إن منطقة الزيداب تزخر بشواهد النهضة الزراعية المروية فى السودان، والتي قد تدرّ دخلاً هائلا للسياحة فى حال اهتمام الحكومة بها، وخاصة محلج الأقطان الذى يعد واحدا من أهم المعالم الأثرية بالمدينة، ويحتوى على أول ماكينات حلج القطن، ولا يقل فى أهميته عن آثار الحضارة النوبية..

وفى طريقى إلى وسط المدينة التقيت بالمزارع محجوب الطيب بابكر ،أحد سكان حي الشاطئ المجاور لإدارة المشروع.. سألته: ماهي أسباب تدهور مشروع الزيداب الزراعي؟ أجابنى: الإهمال وليس غيره، فانتشار الحشائش بالكنار الرئيسي (نمرة 8)، وعدم تطهيره منذ مدة طويلة، لعدم وجود الآليات اللازمة ، من أكبر المشاكل التي تواجه المزارعين، فالحشائش تلتهم كميات كبيرة من مياه الري، والطمى يمنع وصولها إلى جميع الأراضي، خاصة تلك الواقعة فى نهايات الترع وقنوات الريّ،على الرغم من قيام إدارة المشروعبتحصيل مبالغ كبيرة من المزارعين سنوياً من أجل تطهير الترع ولكنها تذهب مصروفات إدارية للجيوش الجرارة من الموظفين والعربات التى يستقلونها،ولا توجد أية جهة تتبنّى قضايا المزارعين، فاتحاد المزارعين مجمد من زمن، والجمعيات التعاونية أصبحت كارثة، وكل أسرة تشكل جمعية تعاونية وترى أنها الأحقَّ بالزيداب.

غادرت مرافق المشروع المتمثلة فى البيارة والمحلج الذى بدا لى كأنه طريح فراش الموت ، يدعو خالقه بالتعجيل بوفاته بعد الإهمال الذي طاله من الحكومات الوطنية التي تعاقبت على حكم السودان منذ خروج الاحتلال وتجاهل الجالسين على كراسيَ دوارة وفي مكاتب مكيفة..

نواصل في الحلقة الثالثة غداً بإذن الله.
شارك هذا المقال :

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

 
Support : Creating Website | Johny Template | Mas Template
copyright © 2011. سوداكون - All Rights Reserved
Template Created by Creating Website
Proudly powered by Blogger