الرئيسية » » قِراءةٌ في ملفِّ الاجتماعِ الثُلاثيِّ الرابعِ حولَ سدِّ النهضة ... د.سلمان محمد احمد سلمان

قِراءةٌ في ملفِّ الاجتماعِ الثُلاثيِّ الرابعِ حولَ سدِّ النهضة ... د.سلمان محمد احمد سلمان

Written By sudaconTube on الأربعاء، أغسطس 27، 2014 | 11:11 م

د. سلمان محمد أحمد سلمان  


1


انعقد بالخرطوم يومي الأثنين والثلاثاء 25 و26 أغسطس عام 2014 الاجتماع الرابع بين مصر وإثيوبيا والسودان حول سدِّ النهضة الإثيوبي. وقد قاد الوفد المصري للاجتماع وزير الري والموارد المائية الجديد الدكتور حسام الدين مغازي، وقاد وفد السودان السيد معتز موسى وزير الموارد المائية والكهرباء، بينما قاد الوفد الإثيوبي السيد ألمايو تيجنو وزير الري والموارد المائية، والذي هو أقدم الوزراء الثلاثة في المنصب. وقد كانت كلمة كلٍ من الوزراء الثلاثة في الجلسة الافتتاحية للاجتماعات هادئةً لا تحمل أدنى درجات الانفعال أو التصلّب في المواقف. بل وقد ركّزت كلٌ من هذه الكلمات على ضرورة التعاون والاستفادة القصوى من مياه النيل وحلِّ الخلافات بصورةٍ ودية عن طريق التفاوض .

ويأتي هذا الاجتماع على خلفية مجموعة من التطورات الاقليمية والدولية، والحقائق التي برزت مؤخراً.

2

أولى هذه الخلفيات هي الاجتماعات الثلاثية الثلاثة الماضية التي انعقدت في الخرطوم في الرابع من نوفمبر عام 2013، ثم في يومي الثامن والتاسع من ديسمبر عام 2013، وأخيراً في يومي الرابع والخامس من يناير عام 2014. ورغم أن الاجتماع الأول بدأ بقدرٍ كبيرٍ من التفاؤل وهو يناقش تقرير لجنة الخبراء الدولية حول سد النهضة، إلا أن ذلك التفاؤل سرعان ما اكتسحه تيار النيل الأزرق الجارف. فقد طالبت مصرُ إثيوبيا بوقف بناء السد، والاتفاق على لجنة دولية جديدة للقيام بالدراسات التي أوصى بها التقرير. كانت قراءة إثيوبيا للتقرير مختلفةً فقد ذكرت أن التقرير لم يوصِ بوقف بناء السد، وأن دور الخبراء الدوليين قد انتهى بنهاية أعمال اللجنة، وأن الدراسات سوف يقوم بها خبراء إثيوبيون. أصرّ كل طرفٍ على موقفه وانفض اجتماع نوفمبر بلا اتفاق.

3

تغيّرت خارطة تحالفات حوض النيل تغييراً جذرياً خلال الاجتماع الثاني. فقد أعلن السودان بوضوحٍ في الرابع من ديسمبر عام 2013 تأييده الكامل لسد النهضة، مُنهياً بذلك التحالف النيلي المصري السوداني الذي برز إلى الوجود عام 1959 إثر توقيع الطرفين على اتفاقية مياه النيل في الثامن من نوفمبر ذلك العام. وكان واضحاً أن وصول الدفعة الأولى من الكهرباء الإثيوبية للسودان والتي فاقت المائة ميقاواط ذلك الشهر، وبسعر التكلفة الذي هو أقل من ربع تكلفة كهرباء خزان مروي، قد أوضح السودان الجائع للكهرباء أين تكمن مصالحه. فجاء تأييد السودان لسد النهضة على لسان رئيس الجمهورية نفسه، وخلال لقائه برئيس الوزراء الإثيوبي أثناء افتتاح خط الربط الكهربائي المشترك بين البلدين، ليغلق الباب أمام أي تصريحاتٍ مختلفة من وزيرٍ أو مستشارٍ أو مساعدٍ لرئيس الجمهورية.

ورغم أن إثيوبيا أبدت بعض المرونة بقبولها لفريق عملٍ من الخبراء من الدول الثلاثة للقيام بالدراسات، إلا أن مصر تمسّكت بمواقفها السابقة. وقد زاد ميلادُ الحلف الإثيوبي السوداني الجديد مصرَ تخوفاً وعناداً. إذ رأت مصرُ فيه عقوقاً من شقيقها الأصغر وحليفها القديم الذي أصبح صديقاً لعدوها. وقرّرت مصر أن تبرز عضلاتها للسودان بمزيدٍ من إجراءات ضمِّ حلايب لمصر، وفتح المكاتب للمعارضة السودانية في القاهرة.

4

بهذه الخلفية جاء الاجتماع الثلاثي الثالث في يناير الماضي هشاً وبلا أرضية يستند عليها ونقاط لقاءٍ لينطلق منها. وانتهى ذلك الاجتماع حتى دون إصدار بيانٍ مشترك أو الاتفاق على موعدٍ ومكانٍ للاجتماع الرابع. ثم مضت سبعة أشهر بلا اجتماعاتٍ ثلاثية أو مفاوضاتٍ حتى من خلال وسيطٍ رابع.

واستفادت إثيوبيا من هذه الفترة كثيراً لتواصل بناء السد وإبرازه كحقيقة لا يمكن القفز فوقها، أو حتى الحديث عن وقف البناء. وواصلت أوروبا مساعدتها لإثيوبيا في بناء السد. فالشركة الايطالية "ساليني" تواصل بناء السد، والشركات الفرنسية والسويسرية والانجليزية تتنافس على بيع المعدات الميكانيكية للسد، بينما تواصل الشركات الصينية بناء خطوط شبكة نقل كهرباء السد التي سوف يبدأ توليدها بعد عامٍ وأشهر قلائل، وتوصيلها إلى بقية إثيوبيا، وإلى دول الجوار.

5

كان واضحاً أن عنصر الزمن ظلّ وما يزال في جانب إثيوبيا. فكل يوم يمرُّ يصبح سد النهضة حقيقةً واقعة لا تقبل الجدل. وكان واضحاً أيضاً أن الرهان المصري بأن تفشل إثيوبيا في مواصلة تمويل بناء السد والذي تبلغ تكلفته خمسة مليار دولار، قد سقط في امتحان الزمن.

تحت هذه الظروف فقد لجأ بعض الكتّاب المصريين إلى تصريحاتٍ هوجاء مفادها أن البنك الدولي والدول الأوربية قد أوقفت تمويلها للسد (رغم أنه ليس هناك أي تمويلٍ خارجيٍ للسد). ثم أعلنوا أن بحيرة السد سوف تخلق أخدوداً ضخماً سيصل مكة ويشقُّ الكعبة نفسها إلى شطرين أو ثلاثة. وقد أضرّت تلك التصريحات بمصداقية مصر كثيراً.

غير أن العقلاء في القاهرة رأوا أن الزمن، والعداء الإعلامي لإثيوبيا والسودان والسد، والتصريحات غير المسئولة، ليست من مصلحة مصر ،فقرروا العودة لطاولة التفاوض.

6

وقد وفّر الاجتماع الثالث والعشرون للاتحاد الأفريقي الذي انعقد في الأسبوع الأخير من شهر يونيو عام 2014 في مدينة مالابو عاصمة غينيا الإستوائية فرصةً طيبة للبلدين . فقد التقى الرئيس المصري الجديد الفريق عبد الفتاح السيسي ورئيس الوزراء الإثيوبي السيد هايلي مربم ديسالين على هامش ذلك الاجتماع. وبدا اللقاء ودياً وأبرزت الصور التي تناقلتها الصحف الالكترونية والورقية الزعيمين وهما يتعانقان مبتسمين، ويشدُّ كلٌ منهما على يد الآخر، ويتحدثان عن ضرورة التعاون في كل مجالات التنمية وليس فقط المياه. ووافق الرئيسان خلال اللقاء على العودة إلى طاولة المفاوضات حول سدِّ النهضة.

7

في تلك الأثناء، وتحديداً في 19 مايو عام 2014، كانت اتفاقية الأمم المتحدة للمجاري المائية الدولية في طريقها إلى حيز النفاذ بعد أن صادقت عليها خمسٌ وثلاثون دولة من أوروبا وأفريقيا والعالم العربي وآسيا. وقد دخلت الاتفاقية حيز النفاذ رسمياً في 17 أغسطس عام 2014، بعد تسعين يوماً من اكتمال العدد المطلوب من التصديقات بموجب الاتفاقية.

وتنبني الاتفاقية على التعاون بين دول الحوض المشترك، وتشمل الاتفاقية كلمة "تعاون" ومشتقاتها خمسة عشر مرة. كما تنبني الاتفاقية على مبدأ الانتفاع المنصف والمعقول لكل دولة من دول الحوض المشترك، وتضع سبعة عوامل لتحديد هذا الانتفاع المنصف والمعقول. وتنادي الاتفاقية بالمشاركة وتبادل المعلومات وحلِّ النزاعات بالطرق الودية والسلمية، وتعترف لكل دولة من دول الحوض بحقها في المشاركة والانتفاع من مياه الحوض.

لقد كنتُ أحد أعضاء مجموعة القانونين الدوليين الذين كانت مهمتهم خلال الأعوام الثلاثة الماضية شرح الاتفاقية للدول الراغبة والإجابة على التساؤلات عنها. وسوف يكون من الصعب نقل حالة الفرح والنشوة التي انتشرت بين الدول الأعضاء في الاتفاقية والقانونيين وخبراء المياه الآخرين الذين وقفوا وراء الاتفاقية حتى دخلت حيز النفاذ. فقد عُقِدتْ عدّةُ ندوات حول دخول الاتفاقية حيز النفاذ خلال شهر ي يونيو ويوليو الماضيين. وركّزت الدوريات الثلاثة الرئيسية المتخصّصة في مجال المياه على إبراز ما دار في تلك الندوات، وسوف تنشر كلٌ من هذه الدوريات مقالاتٍ عن الاتفاقية وتداعيات دخولها حيز النفاذ. بل إن دار النشر العالمية المرموقة "بريل" قرّرتْ بعد دخول الاتفاقية حيز النفاذ بدء دورية علمية متخصّصة في "قوانين المياه الدولية."

ورغم أن أطراف الاتفاقية لا تشمل أياً من دول حوض النيل الاحدى عشر، إلا أن الرسالة التي أرسلتها الاتفاقية ودخولها حيز النفاذ كانت واضحة: لقد بدأ عهدٌ جديدٌ في إدارة المجاري المائية المشتركة ينبني على التعاون والمشاركة والانتفاع المنصف والمعقول وحل النزاعات سلمياً. وهذه القواعد تُمثّل القانون العرفي الدولي للمياه المشتركة، وتُلزم ليس فقط الدول الأطراف في الاتفاقية، بل كل دول العالم.

8

ثم جاء لقاء الرئيس السيسي بالصحفيين يوم الأحد 24 أغسطس عام 2014، في نفس يوم مغادرة الوفد المصري للخرطوم للاجتماع الثلاثي. ركّز الرئيس السيسي في لقائه بالصحفيين على سد النهضة. فقد أعلن أنه مستعدٌ للذهاب إلى أديس أبابا من أجل لقاء السيد هايلي مريم ديسالين ومناقشة أسس ومرتكزات التعاون بين الدولتين الشقيقتين، وحلحلة المسائل العالقة حول سد النهضة. ثم أوضح أن وفد القاهرة في الاجتماع الثلاثي في الخرطوم سوف يتناول مسألتي حجم البحيرة، والفترة التي ستملأ فيها إثيوبيا البحيرة. كان تلك التصريحات إيذاناً ببدء عهدٍ جديد، وانتهاء مرحلة رفض السد أو حتى الإصرار على التوقّف عن بنائه ريثما تكتمل الدراسات.

9

عليه فقد جاء البيان الختامي للاجتماع الثلاثي الرابع والذي صدر مساء الثلاثاء 26 أغسطس عام 2014 عاكساً لهذه التطورات وتوفيقياً في مضمونه ولغته. فقد شمل البيان الاتفاق على إجراء دراستين بواسطة بيت خبرة عالمي (أو ما سمّاه البيان "شركات استشارية")، وتكوين لجنة مشتركة تشمل أربعة أعضاء من كلٍ من الدول الثلاثة للإشراف على إعداد هذه الدراسات. كما اتفقت الأطراف الثلاثة على إكمال هاتين الدراستين في ظرف ستة أشهر. وتعنى احدى هاتين الدراستين بموارد المياه ونموذج محاكاة نظام هيدروكهربائية، بينما تعنى الدراسة الثانية بتقييم التأثير البيئي والاجتماعي والاقتصادي للسد على السودان ومصر.

وهكذا قبلت مصر أخيراً حقيقة أن السد قد أصبح واقعاً لا يقبل الجدل، أو حتى الحديث عن وقف بنائه. كما قبلت إثيوبيا مبدأ المشاركة الدولية في الدراسات الذي ظلت مصر تنادي به منذ الاجتماع الأول. وجاء البيان الختامي توافقياً حفظ لكلٍ من مصر وإثيوبيا ماء وجهها، وحفظ للسودان دوره كوسيط ومستفيدٍ من السد.

10

إن هذه النتائج الإيجابية للاجتماع الرابع تعكس تحوّلاً واقعياً ومنطقياً من القاهرة. فأديس أبابا لها الحق في الاستفادة من مياه النيل التي يأتي 86% منها من الهضبة الإثيوبية. واتفاقية عام 1902 واتفاقية عام 1959 اتفاقيتان قد عفا عليهما الزمان وتجاوزتهما الأحداث والوقائع، وأصبح الحديث عنهما والإصرار على إلزاميتهما من جانب القاهرة مضيعةً للوقت.

وقد وضحت فائدة السدود الإثيوبية على السودان وأصبحت أمراً واقعاً حتى قبل أن يكتمل سد النهضة ويبدأ في توليد الكهرباء والتي ينتظرها السودان بفارغ الصبر لسد عجزه من الكهرباء البالغ 40% من اجتياجاته، ولوقف قطوعات الكهرباء التي عادت إلى واجهة الحياة السودانية بوضوح خلال الشهرين الأخيرين.

وقد وضح لمصر بجلاء أن إصرارها على وقف بناء السد حتى اكتمال الدراسات لم ولن يجد قبولاً إقليمياً أو عالمياً، أو حتى من حلفائها العرب. ولتأكيد الرؤية والاتفاق على أن السد قد أصبح حقيقةً واقعة فقد اشتمل البيان الختامي للاجتماع الثلاثي على دعوة وزير الري الإثيوبي لنظيريه الوزيرين المصري والسوداني لزيارة موقع السد والوقوف على التطورات هناك.

كما تُمثّل نتائج الاجتماع مرونةً في الموقف الإثيوبي واعتماد مبدأ أن المفاوضات أخذٌ وعطاء، وأنه يجب على إثيوبيا قبول مشاركة دولية في الدراسات لتأكيد دعواها أن السد لن تكون له آثار سلبية على مصر، وقبول مبدأ ضرورة التخفيف والحدِّ من الآثار السلبية إن أثبتت الدراسات ذلك.

كما أن اتفاقية الأمم المتحدة للمجاري المائية الدولية قد خلقت واقعاً دولياً جديداً ينبني على التعاون والمشاركة والانتفاع المنصف والمعقول لكل دول الحوض وحل الخلافات يطريقة سلمية وعن طريق التفاوض. وهي مبادئ لا يمكن تجاهلها وغضّ الطرف عنها.

11

من المتوقّع أنّ تشهد المرحلة المقبلة بعض الشدّ والجذب في مرجعية بيت الخبرة الدولي الذي سوف يتم "استخدامه" في القيام بالدراستين، وكذلك في تفاصيل دور مجموعة الخبراء الاثني عشر التي قرّر الوزراء الثلاثة قيامها، وعلاقة هذه المجموعة ببيت الخبرة ودورها في الدراستين. فالبيان الختامي به الكثير من الغموض البنّاء في هذين الأمرين،منها استعمال كلمة "استخدام" بيت الخبرة في الدراستين، وليس "قيام" هذا البيت بالدراستين.

غير أنه إذا تواصلت الروح التعاونية التي سادت الاجتماع الرابع فإن هذه التفاصيل يمكن الاتفاق عليها وترجمة البيان الختامي للاجتماع الثلاثي الرابع على أرض الواقع بصورةٍ إيجابيةٍ ومرضية. كما يمكن أيضاً (بل يجب) المُضي قُدُماً إلى مساحاتٍ أكبر وأوسع للتعاون مع دول حوض النيل الأخرى لانتشال شعوب الحوض من الفقر والجوع والعطش والظلام الذي تعيشه غالبيتهم، والذي يزداد يوماً بعد يوم.



شارك هذا المقال :

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

 
Support : Creating Website | Johny Template | Mas Template
copyright © 2011. سوداكون - All Rights Reserved
Template Created by Creating Website
Proudly powered by Blogger