الرئيسية » » الإستراتيجية المائية وسدّ النهضة..

الإستراتيجية المائية وسدّ النهضة..

Written By Amged Osman on الاثنين، يونيو 17، 2013 | 11:16 ص

 م/ أحمد المنتصر حيدر باحث بالعلاقات الدولية

لا ريب ولا مناص أن السودان يمتلك إرادة في إدارة ملف المياه ستسهم في صياغة رؤية إستراتيجية في التعامل مع هذا الملف الشائك المتداخل في دهاليز الأمن المائي والأمن الغذائي والأمن القومي والإقليمي والأبعاد القانونية والأبعاد الجيوبلوتكية والأبعاد الفنية أيكولوجية وهيدرومترية وهيدرومترولوجية وديمجرافية لمياه النيل وارتباطه بعلاقات إستراتيجية مع إثيوبيا ومصر . لذا لم يكن من المصادفة أن يأتي على رأس الموارد المائية الأخ/ أسامة عبد الله لخبراته في تحقيق استقلالنا المائي عشية إنشاء سدّ مروي والتي عبرت عن ملحمة وإرادة شعب وظف وسخر كل طاقاته وعلاقاته في سبيل بداية عمل الإنشاءات الإنمائية المائية وهي حجر زاوية التنمية الشاملة المستدامة. تناغم ذلك إنه لأول مرة منذ الاستقلال أن تكون وزارة الزراعة والري في ديوان واحد ونحسب أنه من أنجح الخطوات لتحقيق السياسة والإستراتيجية المائية السودانية لزيادة الطلب المائي للمكوِّن الزراعي بالميزانية المائية حيث بلغ «81,22%» لري نحو «3,7» مليون فدان وكانت نسبة المساهمة من إجمالي الموارد المائية «22,05» مليار متر مكعب والسؤال كيف يمكن تحقيق النفرة الخضراء أو إستراتيجية الدولة بالنهضة الزراعية لزراعة 200 مليون فدان في ظل الأزمة المائية المعيشة بالواقع السوداني والتي سنشير لها، بينما بلغ عدد السكان «33,419,625» مليون نسمة ويبلغ إجمالي الموارد المائية «26,7» مليار م3 سنوياً جميعها تقليدية أما حصة السودان من اتفاقية الانتفاع الكامل لمياه النيل «1959م» نحو «18,5» مليار م3 ويستغل السودان حصته الضعيفة العجفاء بينما تسهم الوديان نحو «3,3» مليار م3 ولا يزيد إسهام المياه الجوفية عن «4,9» مليار م3. والمعروف أن معامل الأمان المائي «مؤشر/ نقطة الاستقرار المائي» = 1000 متر مكعب للفرد سنوياً بيد أن هذا المعامل يعمل لتجنب بلوغ مفهوم الضغط المائي والأزمة المائية ولاجئ المياه مقدرة عند 500م3 للفرد سنوياً ولكن إذا أنزلنا معيار معامل الأمان المائي فإننا نجد أن السودان بلغ نصيب الفرد بالعام 2012م 785,3 م3/ السنة بعجز سنوي قدره (214,7) م3 عن حدّ معامل الأمان المائي وتزايد الفجوة بالعرض والطلب المائي لبلوغ السكان أكثر من 102 مليون نسمة لتصل الفجوة المائية نحو (735,3)م3 بالعام 2051م ولأن نسبة النمو السكاني في السودان عالية بلغت «2,6%» مقارنةً بدولتي إثيوبيا ومصر بمعنى أن السودان سيصل إلى أكثر «44» مليون نسمة بحلول «2015م» أي أننا سندخل بكارثة ماحقة، بينما نلاحظ أن نصيب الفرد المائي بمصر بالعام 2012م بلغ 897,5م3 وتعداد السكان 81,343,000 نسمة وعام 2025م سيصبح 655,2م3 «لمزيد من الإحصائيات راجع كتاب الأمن المائي بحوض النيل والعلاقات السودانية المصرية» بالتالي لا بد من زيادة حصتنا المائية ووضع إستراتيجية مائية تعضدها دبلوماسية ورؤية أمنية لأهمية الانفتاح مع إثيوبيا لأهميتها الجيوبلوتكية والشراكات الذكية سواء بسدّ النهضة أو كل السدود بهدف زيادة الإيراد المائي السوداني لتحقيق النفرة الزرقاء كمدخل للنفرة الخضراء.

بات جلياً وجود أسامة عبد الله الدبلوماسي الحصيف وصاحب الإرادة المائية ومحقق استقلالنا المائي وأركانه ومستشاريه وجميعنا يعلم أن الخبراء المائيين السودانيين لديهم قدرات فائقة وصاروا مرجعية للعديد من الدراسات واللجان الفنية، فهو الذي رشح الوزير السابق د/ سيف الدين حمد للوزارة بالمكتب القيادي والآن يعمل ضمن منظومة المستشارين والخبراء العاملين لتحقيق مصالحنا المائية مجردةً من اليوتوبيا السياسية أو التبعية ولأول مرة يصبح السودان أكثر برجماتيك في التفاعل بالنسق الإقليمي لملف المياه وموقفه الوطني من تداعيات سدّ النهضة يأتي ذلك في ظل التداعيات والتشكيك في موقف السودان في إدارة ملف المياه وبروز ربكة سياسية وإعلامية مصرية كادت توقع بأزمة دبلوماسية فعملت دبلوماسية الموارد المائية في التقريب من الرؤية الإثيوبية والمصرية والخلوص للنظرة التعاونية بملف مياه النيل نابعة من وسطية السودان الجغرافية والدبلوماسية فلقاء أسامة عبد الله ووزير الموارد المائية المصري د. محمد بهاء الدين الذي استمرت الاجتماعات والمشاورات حتى وداعه بمطار القاهرة ومن ثَم التأم مجلس الأمن القومي المصري برئاسة الرئيس محمد مرسي وحضور وزير الدفاع والداخلية ومدير المخابرات العامة المصرية لدراسة التطمينات السودانية ورؤية الموارد المائية السودانية أسهمت في تفريغ الأزمة.

بات واضحاً أنَّ سدّ النهضة الإثيوبي أحدث العديد من الشروخ والتقاطعات السياسية والتكهنات الإستراتيجية وما صاحبه من زخمٍ إعلامي أودى بالعديد من الثوابت بالتفاعلات الإقليمية من حسن الجوار... تناغم ذلك بحالة من الربكة السياسية وعدم وجود رؤية وطنية ثابتة أو أقلها امتلاك قدرة على التحليل والتخطيط بواقعية سياسية واستصحاب معطيات فرضها التفاعل مع النسق الإقليمي وبخاصةً في حوض النيل، وما فتئت قوى سياسية مستخدمةً القضية للمزايدات السياسية الداخلية الضيقة بشمال الوادي وطفح مزمن بمجاري السياسة هناك «كأن يوصف السودان بالمواقف المقرفة» بيد أن هذه القوى أجادت الفوضى السياسية والتصريحات والمواقف الزُعاقية تجاريها آلة إعلامية ذات تسطيح وصناعة الجهل للأمة.

إن الشعب المصري لن ينسى موقف أشقائه فلولا موافقتنا لما كان السدّ العالي بل امتد السخاء بتحمل السودان كلفة تهجير أهالي حلفا وتدمير زروعهم وضروعهم وأوطانهم في بحيرة ناصر رغم الوعود المصرية بتمديد الكهرباء لإنارة الإقليم الشمالي لكن ظلت تلك القرى ظلماء حتى مجيء «الإنقاذ» وثورتنا المائية، والآن لا بد من تبني رؤية إستراتيجية مشتركة نقلل من المخاطر المحدقة أو عشاق نظرية المؤامرة «إسرائيل» كما يحلو لبعض الإعلاميين من خلال التعاطي بالواقعية السياسية بأن يكون مكتسبات سدّ النهضة من وفرات مائية تزرع بالأراضي السودانية عالية الإنتاجية بالخبرات المصرية ولنكن واثقين أن كل اتفاقيات مياه النيل المبرمة بالقرن الماضي ليست مقدسة لاسيما أمام الفوبيا لدول حوض النيل والإجماع الكلي لإلغائها بيد أن مفاوضينا بالموارد المائية صناع الابتكار قادرون على صياغة اتفاقية بشأن سدّ النهضة تتيح لنا الإدارة المشتركة والتخطيط والتمويل والاشتراك في كل أعمال السدّ بما فيها إرسال فنيين دائمين وقوات لحماية السدّ وبذلك نستطيع الضغط على المفاوض الإثيوبي للتعاطي مع شروطنا لاسيما حاجة إثيوبيا للسودان من تمويل فيكفي مؤخراً شراء الكثير من صكوك سدّ النهضة بالسودان وخبراتنا المتراكمة في إعداد دراسات جدوى السدود والتي من أدق مكوناتها البعد الاجتماعي الاقتصادي لتهجير الأقلية بمناطق جوميز بني شنقول موقع السد وما سيسببه من نزوح ولجوء لأكثر من «30» ألف نسمة للأراضي السودانية.

ختاماً فإن الخطب قد افتدح وتداعت الأزمات المائية بالإقليم فبات جلياً من صياغة رؤية إستراتيجية لتحقيق الأمن المائي بكل أبعادها ومكوناتها خماسية الأبعاد أولها لا بد من إنشاء دائرة الأمن المائي بجهاز الأمن والمخابرات الوطني. وإنشاء قسم الأمن المائي بالوزارات المعنية على غرار الأمن الغذائي بوزارات الزراعة والموارد المائية. وإنشاء إدارة الأمن المائي بوزارة الخارجية والجهات البحثية والمراكز الإستراتيجية والترابط فيما بينها بهدف صياغة رؤية وطنية للأمن المائي. ثانيها إنشاء وكالة أو صندوق للتعاون مع حوض النيل تتبع مباشرةً لرئاسة الجمهورية أو وزارة الخارجية بهدف التنسيق والتوظيف ما بين الهيئات والمنظمات والجامعات مقدمة المنح والدعم وإعطاء هذه الكيانات العديد من المزايا كونها تعزز الإستراتيجية الوطنية نحو حوض النيل وخلق الولاءات وتبني القضايا المائية عبر الأفارقة مسترشدين بالنتائج الباهرة التي حققتها جامعة إفريقيا العالمية من رباط وجداني وولاء للسودان بإفريقيا. 

ثالثها إقامة معهد أو أكاديمية لدراسات حوض النيل لخلق زخم أكاديمي وعلمي وبحثي بمختلف الجوانب الاقتصادية والسياسية والهندسية والاجتماعية والإعلامية والصياغة لسيناريوهات وخيارات ومدها لمتخذي القرار وكذا تدريب كوادرنا داخلياً واستقطاب أحدث تكنولوجيا المياه لضمان عدم التابعية أو التأثر الخارجي لخبرائنا بمجال المياه. رابعها تزويد السفارات السودانية بحوض النيل بمستشارين وخبراء مياه «أمن مائي» وتكثيف العلاقات الاقتصادية عبر الممثلات التجارية وتزويد الخرطوم بالمعلومات الدقيقة وتجديدها. خامسها الاهتمام بالتعاون العسكري والأمني مع دول حوض النيل لإزالة آثار الكوارث الطبيعية والإرهاب وتخريب المنشآت المائية، والقيام بتدريبات عملية مشتركة والدفاع عن المنشآت المائية وإنشاء وحدات من القوات الخاصة للعمليات المائية، وتبني السودان ومصر إستراتيجية عسكرية للدفاع والردع السريع حيال تعرض مياه النيل لأي أعمال معادية للسودان تعزز بكل المعلومات الاستخبارية والأمنية لمسارح العمليات بمنابع النيل الاستوائية والإثيوبية تدعم بسلاح المهندسين والإشارة ومروحيات وطائرات الإنزال السريع وعمليات الانفتاح والانسحاب التكتيكي خلال التدريبات العملية المشتركة وإنشاء قوة مشتركة خاصة تسليحاً وتدريباً تسند إليها هذه الأعمال، وهو مايقودنا لإعادة تطبيق اتفاقية الدفاع المشترك مع مصر.

الإنتباهة  
شارك هذا المقال :

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

 
Support : Creating Website | Johny Template | Mas Template
copyright © 2011. سوداكون - All Rights Reserved
Template Created by Creating Website
Proudly powered by Blogger